رقم الفتوى: 954

نص السؤال :

قال الله تعالى:(ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن)من هن المشركات?

الجواب :

قال الله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)}البقرة.


قوله تعالى: {
وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}.


قال الإمام المفسر الفقيه المالكي القرطبي -رحمه الله-:


أ - لما أذِنَ الله سبحانه وتعالى في مخالطة الأيتام، وفي مخالطة النكاح بيّنَ أن مناكحة المشركين لا تصح، وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي، وقيل في مرثد بن أبي مرثد، واسمه كنّاز بن حُصين الغنوي، بعثه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مكة سراًّ ليُخرج رجلاً من أصحابه، وكانت له بمكة امرأة يحبّها في الجاهلية يقال لها "عَنَاق" فجاءته، فقال لها: إنّ الإسلام حرّم ما كان في الجاهلية، قالت: فتزوجني، قال: حتى استأذن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، فأتى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها، لأنه كان مسلماً وهي مشركة.


ب - واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقالت طائفة: حرّم الله نكاح المشركات في سورة البقرة، ثم نسخ من هذه جملة نساء أهل الكتاب، فأحلهنّ في سورة المائدة، ورُوي هذا القول عن ابن عباس، وبه قال مالك بن أنس وسفيان بن سعيد الثوري، وعبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي، وقال قتادة وسعيد بن جبير: لفظ الآية العموم في كل كافرة, والمراد بها الخصوص في الكتابيات, وبينت الخصوص آية " المائدة " ولم يتناول العموم قط الكتابيات، وهذا أحد قولي الشافعي.


وعلى القول الأول يتناولهن العموم, ثم نسخت آية " المائدة " بعض العموم، وهذا مذهب مالك رحمه الله, ذكره ابن حبيب, وقال: ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله تعالى مستثقل مذموم، وقال إسحاق بن إبراهيم الحربي: ذهب قوم فجعلوا الآية التي في " البقرة " هي الناسخة, والتي في " المائدة " هي المنسوخة, فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أو غير كتابية، قال النحاس: ومن الحجة لقائل هذا مما صح سنده ما حدثناه محمد بن ريان, قال: حدثنا محمد بن رمح, قال: حدثنا الليث عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: حرم الله المشركات على المؤمنين, ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى, أو عبد من عباد الله !


قال النحاس: وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة, لأنه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة, منهم عثمان وطلحة وابن عباس وجابر وحذيفة، ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وطاوس وعكرمة والشعبي والضحاك, وفقهاء الأمصار عليه، وأيضا فيمتنع أن تكون هذه الآية من سورة " البقرة " ناسخة للآية التي في سورة " المائدة " لأن " البقرة " من أول ما نزل بالمدينة, و " المائدة " من آخر ما نزل، وإنما الآخر ينسخ الأول.


وأما حديث ابن عمر فلا حجة فيه ; لأن ابن عمر رحمه الله كان رجلا متوقفا, فلما سمع الآيتين, في واحدة التحليل, وفي أخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف, ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما تؤول عليه, وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل، وذكر ابن عطية: وقال ابن عباس في بعض ما روي عنه: ( إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات, وكل من على غير الإسلام حرام ).


فعلى هذا هي ناسخة للآية التي في " المائدة " وينظر إلى هذا قول ابن عمر في الموطإ: ولا أعلم إشراكا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى، وروي عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا: نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب, فقال: لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما !


ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة، قال ابن عطية: وهذا لا يستند جيدا, وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين ؟ فقال: لا أزعم أنها حرام, ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن، وروي عن ابن عباس نحو هذا، وذكر ابن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر بن الخطاب, ومن ذكر من الصحابة والتابعين في قول النحاس، وقال في آخر كلامه: ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك.


وقال بعض العلماء: وأما الآيتان فلا تعارض بينهما, فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب, لقوله تعالى: {
مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ}البقرة-105, وقال: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ}البينة-1، ففرق بينهم في اللفظ, وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه, وأيضا فاسم الشرك عموم وليس بنص.


وقوله تعالى: {
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}المائدة-5، بعد قوله " والمحصنات من المؤمنات " نص, فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل، فإن قيل: أراد بقوله: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } أي أوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا, كقوله {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ }آل عمران-199، الآية، وقوله: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ}آل عمران-113، الآية، قيل له: هذا خلاف نص الآية في قوله: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } وخلاف ما قاله الجمهور, فإنه لا يشكل على أحد جواز التزويج ممن أسلم وصار من أعيان المسلمين.


فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: {
أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} فجعل العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار، والجواب أن ذلك علة لقوله تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ} لأن المشرك يدعو إلى النار, وهذه العلة مطردة في جميع الكفار, فالمسلم خير من الكافر مطلقا, وهذا بين.


جـ - وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربا فلا يحل, وسئل ابن عباس عن ذلك فقال: لا يحل, وتلا قول الله تعالى: {
قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ}التوبة-29، إلى قوله " صَاغِرُونَ "، قال المحدث: حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه، وكره مالك تزوج الحربيات, لعلة ترك الولد في دار الحرب, ولتصرفها في الخمر والخنزير.