رقم الفتوى: 898

نص السؤال :

هل كتاب المثنوي لجلال الدين الرومي هو من الكتب الخطأ والتي بها كفر؟؟؟؟

الجواب :

العارف بالله الإمام جلال الدين الرومي وكتابه المثنوي


يعتبر مولانا جلال الدين الرومي –رحمه الله- شخصية عالمية، شغل فكره وشعره مفكري العالم، بجميع دياناتهم وطبقاتهم، وذلك من خلال دراساتهم حول شخصيته، وعن كتبه، وخصوصاً كتابه المثنوي، الذي أطلق عليه قرآن العجم، لبلاغته وسحر صوره الشعرية، لمن يتذوق الأدب الفارسي.


وإليك تعريفاً مختصراً به:


"المثنوي" ديوان شعري باللغة الفارسية للشاعر الكبير جلال الدين الرومي، والمثنوي يعني بالعربية النظم المزدوج الذي يتّحد شطرا البيت الواحد.


وكان الرومي من العلماء والشعراء الكبار، ولا يسعنا هنا الحديث بالتفصيل عنه.


فقد كتب عنه الكثير في مختلف اللغات، إلاّ أننا هنا نكتفي بما يلقي الضوء على حياته، وشعره، وبعض آرائه.


اسمه: جلال الدين محمد، واشتهر بـ"المولوي"، وبـ"مولانا جلال الدين الرومي"، حيث قضى أكثر حياته في قونيّة، وهي في تركيا حالياً.


كانت ولادته في مدينة بلخ يوم السادس من ربيع الأول عام 604هـ، الموافق لديسمبر 1027م، ولذلك لقب أحياناً بجلال الدين محمد البلخي، والملاحظة أن كلمة "المولوي"، التي اشتهر بها مشتقة من "مولانا"، وتوفي سنة 672هـ، في قونية وله من العمر ثمانية وستين سنة وقد دفن فيها.


وكان والده محمد بن الحسين الخطيبـي البكري والشهير بـ"بهاء الدين"، وهو من العلماء أيضاً وقد لقب بـ"سلطان العلماء"، تلقى ابنه على يديه بعض العلوم والمعارف.


وقد حطت عائلة الرومي الرحال في مدينة قونيّة التي كانت في ذلك الوقت عاصمة الحاكم السلجوقي "علاء الدين كيقباد"، وفيها توفي والده بهاء الدين عام 628م، وخلفه ابنه جلال الدين بمهمة التدريس والفتيا فيها.


وفي مدينة درس جلال الدين لدى برهان الدين محقق الترمذي ثم ارتحل إلى حلب فأقام فيها بعض الوقت يدرس ويتعلّم، ومنها انتقل إلى دمشق التي كانت مقراً للشيخ محيي الدين بن عربي، فالتقى به ودرس على يديه وزامل صدر القوني تلميذ ابن عربي، ولعله تأثر بابن عربي وبآرائه في شعره كما هو المعروف من تأثير ابن عربي وآرائه على فكر المعاصرين له والمتأخرين عنه في الفلسفة والعرفان.


وعاد جلال الدين الرومي إلى قونية عام 638هـ فبدأ الإرشاد والتدريس والفتيا فيها، وظل يمارس التعليم نحو أربع سنوات، وفي شهر رجب سنة 642هـ، التقى شمس تبريز أو شمس الدين التبريزي، وقد انقلب تيّار حياته نتيجة هذا اللقاء وكانت لحظة حاسمة في حياته غيّرت أفكاره وسلوكه وطموحاته.


يقول السيد أبو الحسن الندوي –رحمه الله-:


"كان جلال الدين منهمكاً بالتدريس والفتيا في مدينة قونية يدرس على يديه الكثير، وفي يوم ما من سنة 642هـ، كان خارجاً بموكبه المهيب وتلاميذه والناس بين يديه يسألونه إذ اقترب منه رجل مجهول وسأله: ما المقصود من الرياضات والعلوم؟ أجاب المولوي: الاطلاع على آداب الشرع. قال الرجل في هدوء وثقة: لا، بل الوصول للمعلوم. وأنشد بيت النسائي: إذا لم يجرّدك العلم من نفسك فالجهل خير منه".


وذكره الشيخ المطهري فقال:


"مولانا جلال الدين محمد البلخي الرومي المعروف بالمولوي، صاحب الكتاب العالمي المثنوي، من كبار عرفاء الإسلام ومن نوابغ العالم، وديوانه المثنوي زاخر بالحكمة والمعرفة والنكات الدقيقة في المعرفة الروحية، والاجتماعية، والعرفانية، ويعدّ من الطبقة الأولى من الشعراء الإيرانيين.


والمولوي من أهل بلخ، خرج منذ صغره منها مع أبيه إلى بيت الله الحرام، ولاقى الشيخ فريد العطار في نيسابور وأقام مع أبيه في قونية عند رجوعه من مكة، وكان المولوي في بداياته منصرفاً كغيره من العلماء للتدريس والتعليم، حتى التقى بشمس تبريز العارف المعروف، فتعلّق به بشدّة وترك لأجله كل شيء، وذكره في ديوانه شمس تبريز بكل لوعة وحنين، وتوفي المولوي سنة 672هـ".


وقد ألّف المولوي بعض الكتب نثراً وشعراً منها:


1- المجالس السبعة: وتتضمن المحاضرات التي كان يلقيها في مدارس الوعظ والإرشاد.

2- الرسائل: عبارة عن مجموعة من الرسائل كتبها إلى أقربائه وأصدقائه.

3- فيه ما فيه: مجموعة من أحاديث جلال الدين ومحاوراته ومواعظه.

4- الرباعيات: وهي منظومة أحصاها العالم الإيراني المعاصر بديع الزمان فوزانفر، كما وردت في طبعة اسطنبول، فوجد أنها تبلغ 1659 رباعياً، أي 3318 بيتاً.

5- ديوان شمس تبريز: ويشتمل على غزليات وقصائد يبلغ عددها 3500 قطعة، ونظمت في بحور متنوعة، ويبلغ عدد أبيات الديوان نحو 43 ألف بيتاً.

6- المثنوي: وهو شكل من أشكال الشعر الفارسي، عرف في عهدة مبكّر من تاريخ الأدب الفارسي الإسلامي، ونظمت فيه أعمال خالدة وتعني كلمة مثنوي بالعربية النظم المزدوج، الذي يتّحد به شطرا البيت الواحد ويكون لكل بيت قافيته الخاصّة، وبذلك تتحرر المنظومة من القافية الموحدة.


والمعروف أن جلال الدين بدأ نظم المثنوي حوالي عام 657هـ، ثمّ نظم الجزء الأول بين عامي 657-660هـ، وأعقب ذلك فترة عامين من التوقف، ثمّ استأنف النظم من جديد عام 662هـ، ولم ينقطع الرومي عن النظم حتى وصل إلى نهاية الجزء السادس في صورته الحالية.


وللمثنوي طبعات متعددة ونسخ مخطوطة كثيرة منتشرة في مكتبات العالم، كما أن له شروحاً كثيرة بلغات مختلفة، منها الشرقي ومنها الغربي، ومن الشروح المهمة ما كتبه الشيخ محمد تقي الجعفري أخيراً بما بلغ حتى الآن 15 جزءً من القطع الكبير، وبلغت عدد أبيات المثنوي في طبعة نيكولسون 25632 بيتاً، موزعة بين أجزائه الستّة، ويذكر الشيخ محمد تقس الجعفري بأن هذه النسخة هي أصحّ النسخ عند المحققين.


ويصف الدكتور "كفافي" ديوانه المثنوي بقوله:


"إن روعة المثنوي تأتي من أنه يتناول الحياة بكل جوانبها، لا نكاد نرى موضوعاً من موضوعات الأخلاق والسلوك لم يطرقه الشاعر، ولكن سبيل معالجته لم يكن سبيل الواعظ، بل سبيل الشاعر الفنان، وكذلك حفل المثنوي بالقرآن، والحديث، وقصص الأنبياء، والقصص الشعرية، والفلك والأساطير، والعادات، والفلسفة، والكلام، والطب، بل ولا نكون مبالغين إذا قلنا أنه كشف عن معرفة جلال الدين بألعاب التسلية الشائعة من: شطرنج، ونرد، وكرة، وصولجان.


أما تناول هذه المسائل فقد كان بأسلوب تحليلي يتّسم بالجدّ، ولكنّه بين حين وآخر يدخل فيه عنصر الفكاهة والسخرية فيكون بالغ الأثر، ويرسم به لوحات رائعة لا تتاح إلاّ لمن أوتي قدراً عالياً من براعة التصوير.


كان كثير منها معروفاً ذائعاً، سواء ما كان دينياً وشعبياً، ولكن تناول الشاعر لهذه القصص جعلها تكتسب طابعاً جديداً، وتبدوا وكأن الشاعر قد ابتدعها، ذلك لما كان ببثّه فيها من روح فني، ولما كان يصوغه لها من حوار رائع، يشهد للأوزان العربية بمرونتها واتساعها لألوان جديدة من الإبداع والفن، وقدرتها على استيعاب ملامح وسمات لم تظهر في أدبنا العربي حتى يومنا هذا".


ومما يجدر الإشارة إليه أن لجلا الدين قصائد باللغة العربية، كما يلاحظ في المثنوي، فإنّ فيه بعض الأبيات التي نظمها جلال الدين نفسه باللغة العربية.


ومن هنا حظي الكثير من أبيات المثنوي باهتمام الباحثين، بل من الناس أيضاً، فأصبح البعض منها من الأمثال السائرة التي يستشهد بها الناس في بعض القضايا والحالات، كما أن العلماء وخاصّة في الفلسفة، والعرفان، والأخلاق يستشهدون بالكثير من أبيات المثنوي في التعبير عن أفكارهم، أو في الاستشهاد أو الاستدلال عليها، كما يلاحظها القارئ بوضوح في الكتب المؤلفة في هذه المجالات، وكل ذلك يعبّر عما تملكه هذه الأبيات من غزارة المادّة، وجودة في التعبير والأسلوب، وعما يملكه جلال الدين نفسه من استيعاب للكثير من المسائل العلمية، والاجتماعية كما أشرنا إليه.