رقم الفتوى: 6266

نص السؤال :

شيخنا الكريم ، ما هو الرد على هذه الشبهة التي ألقاها أحد المسلحيين ، حيث يقول إنه في قرءاننا نحن المسلمين يقول تعالى: ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يدينون دين الحق ) ويقول: ( لكم دينكم ولي دين ) ، فكيف نردّ على شبهته ؟

الجواب :

الإكراه لاعتناق الإسلام

باديء ذي بدء قبل التكلم عن الآيتين الكريمتين يجب أن تعرف ، بأن آيات القرآن يفسر بعضها بعضا ، وتفسرها السنة المطهرة ، ولذا نجمع الآيات الواردة في الموضوع الواحد ، ننظر في ناسخها ومنسوخها ، وعامها وخاصها ، ومطلقها ومقيدها ، ومحكمها ومتشابهها .

وأما مسألة إكراه الناس على اعتناق الإسلام فقد تكلمنا عنه في الفتوى ذات الرقم 444 ، 215 فارجع إليها راشدا .

أما عن تفسير قوله تعالى  " قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ "


قال الشيخ العلامة محمد عبده رحمه الله :
كان كل ما تقدم من أول السورة في أحكام قتال المشركين وما يتعلق بهم ، وهذه الآية في حكم قتال أهل الكتاب والغاية التي ينتهي إليها ، وهي تمهيد للكلام في غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب بالشام ، والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ ، وما يتعلق بها من فضيحة المنافقين ، وهتك الأستار عن إسرارهم للكفر ، ومن تمحيص المؤمنين ، ولم يقاتل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها الروم الذين خرج لقتالهم بسببه الذي سيذكر بعد ، وإنما حكمة وقوع ذلك ببيان هذه الأحكام والتزييل بين المؤمنين والمنافقين ممن كانت تقع عليهم أحكام الإسلام قبل وفاته عليه أفضل الصلاة والسلام .

 وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن زيد ـ رضي الله عنه ـ في هذه الآية ، قال لما فرغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قتال من يليه من العرب أمره ( تعالى ) بجهاد أهل الكتاب .

وروى ابن المنذر عن ابن شهاب قال : أنزلت في كفار قريش والعرب " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " ( 8 : 39 ) وأنزلت في أهل الكتاب : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله : " حتى يعطوا الجزية " فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران ، قبل وفاته عليه أفضل الصلاة والسلام .

وروى ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ابن حبان والبيهقي في سننه عن مجاهد قال : نزلت هذه الآية حين أمر محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بغزوة تبوك وروى ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن مجاهد أيضا قال : " يقاتل أهل الأوثان على الإسلام . ويقاتل أهل الكتاب على الجزية " .

وروى ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الحسن قال : قاتل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهل هذه الجزيرة من العرب على الإسلام لم يقبل منهم غيره ، وكان أفضل الجهاد ، وكان بعده جهاد آخر على هذه الآية في شأن أهل الكتاب : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله الآية ( أقول ) وهذا أصح وأدق مما قبله من رأي مجاهد ومن وافقه من الفقهاء في قتال الوثنيين ، وأنه لا فرق بينهم وبين مشركي العرب في الحجاز والجزيرة ، فقد بينا مرارا أن سياسة الإسلام في عرب الجزيرة خاصة بهم وبها .

واعلم أن هذه الآية في قتال أهل الكتاب وما قبلها في قتال مشركي العرب ليس أول ما نزل في التشريع الحربي ، وإنما هو في غايته ، وأما أول ما نزل في ذلك فقد بينا مرارا أنه آيات سورة الحج " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا " ( 22 : 39 ) إلخ . ثم قوله تعالى من سورة البقرة " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا " ( 2 : 190 ) الآيات ، وفي تفسيرها ما اختاره شيخنا من أن القتال الواجب في الإسلام إنما شرع للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها ، ولذلك اشترط فيه أن يقدم عليه الدعوة إلى الإسلام ، وقال : إن غزوات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت كلها دفاعا ، وكذلك حروب الصحابة في الصدر الأول ، ثم كان القتال بعد ذلك من ضرورة الملك ، وكان في الإسلام مثال الرحمة والعدل  .

قال تعالى " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب " فوصف أهل الكتاب الذين بين حكم قتالهم بأربع صفات سلبية هي علة عداوتهم للإسلام ، ووجوب خضوعهم لحكمه في داره ; لأن إقرارهم على الاستقلال ، وحمل السلاح فيه يفضي إلى قتال المسلمين في دارهم  أو مساعدة من يهاجمهم فيها كما فعل يهود المدينة وما حولها بعد تأمين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إياهم وجعلهم حلفاء له ، وسمح لهم بالحكم فيما بينهم بشرعهم فوق السماح لهم بأمور العبادة كما تقدم في سورة الأنفال ، وكما فعل نصارى الروم في حدود البلاد العربية كما يأتي عند الكلام على غزوة تبوك . وهذه الأمور الأربعة التي أسند إليهم تركها هي أصول الدين الإلهي عند كل أمة كما بينه تعالى في آية ( 2 : 62 ) وقد أمر هنا بقتال الذين لا يقيمونها عندما يقوم السبب الشرعي لقتالهم حتى يعطوا الجزية بشرطها فذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ، ووضع تركهم لتحريم ما حرم الله ورسوله ، وترك الخضوع لدين الحق في موضع العمل الصالح من تلك الآية.

" حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " هذه غاية للأمر بقتال أهل الكتاب ينتهي بها إذا كان الغلب لنا ، أي قاتلوا من ذكر عند وجود ما يقتضي وجوب القتال كالاعتداء عليكم أو على بلادكم ، أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم أو تهديد أمنكم وسلامتكم . كما فعل الروم ، فكان سببا لغزوة تبوك ، حتى تأمنوا عدوانهم بإعطائكم الجزية في الحالين اللتين قيدت بهما . فالقيد الأول لهم ، وهو أن تكون صادرة " عن يد " أي قدرة وسعة ، فلا يظلمون ويرهقون . والثاني لكم ، وهو الصغار المراد به خضد شوكتهم ، والخضوع لسيادتكم وحكمكم ; وبهذا يكون تيسير السبيل لاهتدائهم إلى الإسلام بما يرونه من عدلكم وهدايتكم وفضائلكم التي يرونكم أقرب بها إلى هداية أنبيائهم منهم . فإن أسلموا عم الهدى والعدل والاتحاد ، وإن لم يسلموا كان الاتحاد بينكم وبينهم بالمساواة في العدل ، ولم يكونوا حائلا دونهما في دار الإسلام . والقتال لما دون هذه الأسباب التي يكون بها وجوبه عينيا أولى بأن ينتهي بإعطاء الجزية ، ومتى أعطوا الجزية وجب تأمينهم وحمايتهم ، والدفاع عنهم وحريتهم في دينهم بالشروط التي تعقد بها الجزية ، ومعاملتهم بعد ذلك بالعدل والمساواة كالمسلمين ، ويحرم ظلمهم وإرهاقهم بتكليفهم ما لا يطيقون كالمسلمين ، ويسمون أهل الذمة ; لأن كل هذه الحقوق تكون لهم بمقتضى ذمة الله وذمة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأما الذين يعقد الصلح بيننا وبينهم بعهد وميثاق يعترف به كل منا ومنهم باستقلال الآخر  فيسمون بأهل العهد والمعاهدين ، وتقدم بيان ذلك في تفسير سورة الأنفال ، ولا بأس بأن نبسط القول من مسألة الجزية لتقصير المفسرين في بيانها فنقول : ( فصل في حقيقة الجزية والمراد منها )

الجزية ضرب من الخراج يضرب على الأشخاص لا على الأرض ، جمعها جزى كسدرة وسدر ، واليد السعة والملك أو القدرة والتمكن ، والصغار ( بالفتح ) والصغر ( كعنب ) وهو ضد الكبر ، ويكون في الأمور الحسية والمعنوية ، والمراد به هنا الخضوع لأحكام الإسلام وسيادته الذي تصغر به أنفسهم لديهم بفقدهم الملك ، وعجزهم عن مقاومة الحكم . قال الراغب : الصاغر الراضي بالمنزلة الدنية ، وقال الإمام الشافعي رحمه الله في الأم : وسمعت عددا من أهل العلم يقولون : الصغار أن يجري عليهم حكم الإسلام اهـ . ومن المفسرين من قال في الآية أقوالا يأباها عدل الإسلام ورحمته .

وظاهر كلام اللغويين المفسرين أن لفظ الجزية عربي محض من مادة الجزاء . وهل هي جزاء حقن الدم ، أو جزاء الحماية لهم والدفاع عنهم من غير تكليفهم التجنيد للقتال معنا ، أو جزاء إعطاء الذمي حقوق المسلمين ومساواتهم بأنفسهم في حرية النفس والمال والعرض والدين ؟ وجوه أضعفها أولها وسيأتي بسط القول في ثانيها .

واعلم أن الشريعة الإسلامية ، وإن لم يكن شأنها شأن الملكية والسلطنة بل الغاية التي توخاها الشرع ليست إلا تكميل النفس وتطهير الأخلاق ، والحث على الخير ، والردع عن الإثم ، ولكن لما كانت هذه الأمور يتوقف حصولها على نوع من السياسة الملكية لم تكن الشريعة لتنقل عنها كليا ، فاختارت جملة من الوضائع تكون مع سذاجتها كافلة لانتظام أمر الناس وإصلاح ارتفاقاتهم .

ومن ذلك الجهاد والقتال ، المقصود بهما الذب عن حمى الإسلام والدفع عن بيضة الملك ، وإزاحة الشر وبسط الأمن ، واستتباب الراحة ، فجعل الجهاد فرضا محتوما على كل أحد ممن دخل في الإسلام ، إما كفاية وهذه إذا لم يكن النفير عاما ، وإما عينا إذا هاجم العدو البلد وعم النفير ، قال في الهداية : الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به فريق من الناس سقط عن الباقين ، فإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه ، إلا أن يكون النفير عاما فحينئذ يصير من فروض الأعيان .

أما أهل الذمة فما كان يحق للإسلام أن يجبرهم على مباشرتهم القتال في حال من الأحوال ، بل الأمر بيدهم ، رضوا بالقتال عن أنفسهم وأموالهم عفوا عن الجزية ، وإن أبوا أن يخاطروا بالنفس فلا أقل من أن يسامحوا بشيء من المال وهي الجزية ، ولعلك تطالبني بإثبات بعض القضايا المنطوية في هذا البيان ، أي إثبات أن الجزية ما كان تؤخذ من الذميين إلا للقيام بحمايتهم والمدافعة عنهم ، وأن الذميين لو دخلوا في الجند أو تكفلوا أمر الدفاع لعفوا عن الجزية ، فإن صدق ظني فاصغ إلى الروايات التي تعطيك الثلج في هذا الباب وتحسم مادة القيل والقال .

( فمنها ) ما كتب خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا حينما دخل الفرات وأوغل فيها وهذا نصه : " هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وقومه ، إني عاهدتكم على الجزية والمنعة فلك الذمة والمنعة وما منعناكم ( أي حميناكم ) فلنا الجزية وإلا فلا ؟ كتب سنة اثنتي عشرة في صفر " .

( ومنها ) ما كتب نواب العراق لأهل الذمة وهاك نصه : " براءة لمن كان من كذا وكذا من الجزية التي صالحهم عليها خالد والمسلمون ، لكم يد على من بدل صلح خالد ما أقررتم بالجزية وكنتم . أمانكم أمان ، وصلحكم صلح ، ونحن لكم على الوفاء " .

( ومنها ) ما كتب أهل ذمة العراق لأمراء المسلمين وهذا نصه : " إنا قد أدينا الجزية التي عاهدنا عليها خالدا على أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم " .

( ومنها ) المقاولة التي كانت بين المسلمين وبين يزدجرد ملك فارس حينما وفدوا على يزدجرد وعرضوا عليه الإسلام ، وكان هذا في سنة أربع عشرة في عهد عمر بن الخطاب ، وكان من جملة كلام نعمان الذي كان رئيس الوفد : " وإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم " .


وارجع إلى الفتوى ذات الرقم
4145 للاستزادة موفقا .