رقم الفتوى: 4972

نص السؤال :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الكريم تحية طيبة لك وبعد سؤالي حفظك الله عن سورة الاحزاب حيث انه قد دخل نصراني الى صفحتي على الانترنت وبدأ يطرح تساؤلات محاولا تشكيكي في ديني ومن بين هذه التساؤلات.. سورة الاحزاب يدعي انها حرفت مستدلا باحاديث ورويات مختلفة.. مثل هذه الروايات: 1- ثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بـهدلة عن زر عن أبي بن كعب أنه قال : " كم تقرؤون سورة الأحزاب ؟ قلت : ثلاثا وسبعين آية . قال : قط ! لقد رأيتها وأنّها لتعادل سورة البقرة وفيها آية الرجم ! قال زرّ : قلت وما آية الرجم ؟ قال : ( الشيخ والش... See Moreيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم ) ".مسند احمد 5/123 حديث 21245 . والاتقان 2/25 . ============================== 2- وهنا رواية أشكل من سابقتها : " عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن ".الاتقان 2/25 . ============================== 3- وعن حذيفة قال: قال لي عمر بن الخطاب: كم تعدّون سورة الاحزاب؟ قلتُ: إثنتين أو ثلاثا وسبعين آية. قال: إن كانت لتعدل بسورة البقرة وإنْ كان فيها لاية الرجم. الدرّ المنثور 5 / 180، ============================== 4- عن زر عن أُبيّ بن كعب قال: كانت سورة الاحزاب توازي سورة البقرة وكان فيها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة). المستدرك وتلخيصه 2 / 415، تفسير سورة الاحزاب؛ والاتقان، النوع السابع والاربعون في ناسخه ومنسوخه 2 / 25.تذكرة الحفاظ ص 1405؛ وكشف الظنون 1 / 1624 ============================== 5- ثم في كتاب الاتقان عن عائشة " عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن ".الاتقان 2/25... ============================== 6- وفي الدر المنثور عن عمر بن الخطاب وعن حذيفة قال: قال لي عمر بن الخطاب: كم تعدّون سورة الاحزاب؟ قلتُ: إثنتين أو ثلاثا وسبعين آية. قال: إن كانت لتعدل بسورة البقرة وإنْ كان فيها لاية الرجم. الدرّ المنثور 5 / 180، ============================== 7- وأخرج الحاكم في مستدركه2/450 أخبرنا أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة وكان فيها "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" هذا حديث صحيح الإسناد ============================== 8- وأخرج أيضا في4/400 حديث( 8068 )قال حدثنا أحمد بن كامل القاضي ثنا محمد بن سعد العوفي ثنا روح بن عبادة ثنا شعبة قال وحدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي ثنا أبو النعمان محمد بن الفضل ثنا حماد بن زيد جميعا عن عاصم عن زر قال قال لي أبي بن كعب - رضي الله عنه - وكان يقرأ سورة الأحزاب قال قلت ثلاثا وسبعين آية قال قط قلت قط قال لقد رأيتها وإنها لتعدل البقرة ولقد قرأنا فيما قرأنا فيها "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم أرجو من سيادتكم الرد على سؤالي باسرع وقت ممكن ولكم مني كل الود والتقدير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب :

سورة الأحزاب

بني أشكرك على ثقتك بموقعكم ، فهو منكم وإليكم ، ولكن يؤلمني بشدة أن بعضا من أبناء المسلمين يتشككون بدينهم الحق ، بأقل سبب .
إن النصارى أولى بالشك منك ، لأن دينهم يصادم قواعد العقل ، فكيف يعتقدون بثلاثة حقائق يمكنهما أن تجتمع في حقيقة واحدة ، أي تصير شيئا واحدا وكذلك كيف للحقيقة الواحدة أن تصير ثلاثة حقائق ، دون أن تنقسم ؟!
وكذلك أهل البدع هم أولى بالشك بمذاهبهم ، لأن مبني كثير من عقائدهم على الخرافات . بينما نحن المسلمين ، وخصوصا أهل السنة والجماعة ، لا نؤمن بما يتعارض مع القواعد العقلية ، لا اعني بذلك الفهم ، لأن الأفهام تختلف ، ولكن أعني الحقائق ، لا النظريات العلمية .

ومن أول مباديء علوم القرآن أن نعرف أن القرآن ثابت بالتواتر ، والمقصود بالتواتر : هو ما يرويه جماعة كثيرة عن جماعة كثيرة يستحيل في العقل وقوع الخطأ منهم ، أو تواطئهم على الكذب . وارجع إلى الفتوى ذات الرقم 169 موفقا .

ولو كان صاحبك النصراني أمينا لنقل كل كلام الإمام السيوطي في الإتقان ، ولذا سأنقل لك من الإتقان ما تعمد إهماله ، لأنه سيكذب إفتراءه :

قال العارف الكبير الحارث المحاسبي رحمه الله ‏:‏ المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان وليس كذلك إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن . فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق وقد قال عليّ‏:‏ لو وليت لعملت بالمصاحف التي عمل بها عثمان‏.‏

وقال  الإمام البغوي رحمه الله ‏:‏ إن الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله ، من غير أن زادوا فيه أو أنقصوا منه شيئاً . والذي حملهم على جمعهِ ما جاء بيانه في الحديث ، وهو أنه كان مفرقا في العُسُب واللخاف وصدور الرجال ، فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته ، ففزعوا إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ودعوه إلى جمعه ، فرأى في ذلك رأيهم ، فأمر بجمعه في موضع واحد باتفاق من جميعهم ، فكتبوه كما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله و سلم ، من غير ان قدّموا شيئا أو أخروا أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله و سلم  . وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله و سلم  يلقن أصحابه ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا ، بتوقيف جبريل صلوات الله عليه أياه على ذلك ، وإعلامه عند نزول كل آية تُكتب عقيب آية كذا في السورة التي يُذكر فيها كذا . روي معنى هذا عن عثمان رضي الله عنه .

وقال الإمام السيوطي رحمه الله في الإتقان :
فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد ، لا في ترتيبه ، فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على الترتيب الذي هو في مصاحفنا ، أنزله الله تعالى جملة واحدة في شهر رمضان ليلة القدر إلى السماء الدنيا ، كما قال الله سبحانه وتعالى " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن " ، وقال الله عز وجل " إنا أنزلناه في ليلة القدر " ، ثم كان يُنزّله مفرقا على
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله و سلم  مدة حياته عند الحاجة وحدوث ما يشاء الله عز وجل ، قال الله سبحانه وتعالى " وقُرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مُكث " فترتيب النزول غير ترتيب التلاوة .

وكان  هذا الاتفاق من الصحابة سببا لبقاء القرآن في الأمة رحمة من الله عز وجل على عباده ، وتحقيقا لوعده في حفظه ، كما قال الله عز وجل " إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون " .

وكل هذا منقول في الإتقان ، فلو كان هذا النصراني أمينا لنقل لك هذا الكلام .

ثم أعرّج على موضوع سورة الأحزاب ، قال شيخ الإسلام محمد بن الطاهر بن عاشور رحمه الله :

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الأحزاب

هكذا
سميت ( سورة الأحزاب ) في المصاحف وكتب التفسير والسنة ، وكذلك رويت تسميتها عن ابن عباس وأبي ابن كعب بأسانيد مقبولة . ولا يعرف لها اسم غيره . ووجه التسمية أن فيها ذكر أحزاب المشركين من قريش ومن تحزب معهم أرادوا غزو المسلمين في المدينة فرد الله كيدهم وكفى الله المؤمنين القتال .

وهي مدنية بالاتفاق ، وسيأتي عن ابن عباس أن آية " وما كان لمؤمن إلخ " نزلت في تزويج زينب بنت جحش من زيد بن حارثة في
مكة .

وهي التسعون في عداد السور النازلة من القرآن ، نزلت بعد سورة الأنفال ، وقبل سورة المائدة .

وكان نزولها على قول ابن إسحاق أواخر سنة خمس من الهجرة وهو الذي جرى عليه
ابن رشد في البيان والتحصيل . وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك : أنها كانت سنة أربع وهي سنة غزوة الأحزاب وتسمى غزوة الخندق حين أحاط جماعات من قريش وأحابيشهم وكنانة وغطفان وكانوا عشرة آلاف وكان المسلمون ثلاثة آلاف وعقبتها غزوة قريظة والنضير .

وعدد آيها ثلاث وسبعون باتفاق أصحاب العدد .

ومما يجب التنبيه عليه مما يتعلق بهذه السورة ما رواه
الحاكم والنسائي وغيرهما عن زر بن حبيش قال : قال لي أبي بن كعب : كأيّ تعدون سورة الأحزاب ؟ قال :  قلت : ثلاثا وسبعين آية . قال : أقط ( بهمزة استفهام دخلت على قط ، أي حسب ) فوالذي يحلف به أبيّ : إن كانت لتعدل سورة البقرة . ولقد قرأنا فيها ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتية نكالا من الله والله عزيز حكيم ) فرفع فيما رفع ، أي نسخ فيما نسخ من تلاوة آياتها . وما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام بسنده وابن الأنباري بسنده عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبيء - صلى الله عليه وسلم - مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن . وكلا الخبرين ضعيف السند .

ومحمل الخبر الأول عند أهل العلم أن أبيا حدث عن سورة الأحزاب قبل أن ينسخ منها ما نسخ . فمنه ما نسخت تلاوته وحكمه ومنه ما نسخت تلاوته خاصة مثل آية الرجم . وأنا أقول : إن صح عن
أبي ما نسب إليه فما هو إلا أن شيئا كثيرا من القرآن كان أبي يلحقه بسورة الأحزاب وهو من سور أخرى من القرآن مثل كثير من سورة النساء الشبيه ببعض ما في سورة الأحزاب أغراضا ولهجة مما فيه ذكر المنافقين واليهود ، فإن أصحاب رسول الله لم يكونوا على طريقة واحدة في ترتيب آي القرآن ولا في عدة سوره وتقسيم سوره كما تقدم في المقدمة الثامنة ولا في ضبط المنسوخ لفظه . كيف وقد أجمع حفاظ القرآن والخلفاء الأربعة وكافة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا الذين شذوا على أن القرآن هو الذي في المصحف وأجمعوا في عدد آيات القرآن على عدد قريب بعضه من بعض كما تقدم في المقدمة الثامنة .

وأما الخبر عن
عائشة فهو أضعف سندا وأقرب تأويلا فإن صح عنها ، ولا إخاله ، فقد تحدثت عن شيء نسخ من القرآن كان في سورة الأحزاب .

وليس بعد إجماع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مصحف
عثمان مطلب لطالب .

ولم يكن تعويلهم في مقدار القرآن وسوره إلا على حفظ الحفاظ . وقد افتقد زيد بن ثابت آية من سورة الأحزاب لم يجدها فيما دفع إليه من صحف القرآن فلم يزل يسأل عنها حتى وجدها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري وقد كان يسمع رسول الله يقرؤها ، فلما وجدها مع
خزيمة لم يشك في لفظها الذي كان عرفه . وهي آية  " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه إلى قوله تبديلا " . وافتقد الآيتين من آخر سورة براءة فوجدهما عند أبي خزيمة بن أوس المشتهر بكنيته .

وبعد فخبر أبي بن كعب خبر غريب لم يؤثر عن أحد من أصحاب رسول الله فنوقن بأنه دخله وهم من بعض رواته . وهو أيضا خبر آحاد لا ينتقض به
إجماع الأمة على المقدار الموجود من هذه السورة متواترا .

وفي الكشاف : وأما ما يحكى أن تلك الزيادة التي رويت عن
عائشة كانت مكتوبة في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن ، أي الشاة ، فمن تأليفات الملاحدة والروافض اهـ .

ووضع هذا الخبر ظاهر مكشوف فإنه لو صدق هذا لكانت هذه الصحيفة قد هلكت في زمن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أو بعده والصحابة متوافرون وحفاظ القرآن كثيرون فلو تلفت هذه الصحيفة لم يتلف ما فيها من صدور الحفاظ .

وكون القرآن قد تلاشى منه كثير هو أصل من أصول
الروافض ليطعنوا به في الخلفاء الثلاثة ، والرافضة يزعمون أن القرآن مستودع عند الإمام المنتظر فهو الذي يأتي بالقرآن وقر بعير . وقد استوعب قولهم واستوفى إبطاله أبو بكر بن العربي في كتاب العواصم من القواصم .