رقم الفتوى: 4569

نص السؤال :

السلام عليكم شيخنا س1- استوقفني حديث في صحيح البخاري في فضائل عمر ابن الخطاب رضي الله عنة وهو عن ‏ ‏أبي هريرة ‏‏قال : ‏ ‏قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم : لقد كان فيما قبلكم من الأمم ‏ ‏محدثون ‏ ‏فإن يك في أمتي أحد فإنه ‏ ‏عمر ) السؤال هو ما معنى محدث ؟ وكيف يحدث هل تحدثة لملائكة؟ س2- روى عن ابن وهب في صحيح مسلم انة قال في تفسير كلمة محدثون مُلْهَمُونَ ؟ فما معنى الالهام ؟ رغم ان هناك من قال محدثون يعني مفهمون وغيرة س3- هل تنزل الملائكة على الاولياء بعد النبي محمد صل الله عليه وسلم ؟ اتمنى ان توضحو لي ؟ وشكرا

الجواب :

حديث " لقد كان فيمن كان قبلكم ..... "

أخرج البخاري وغيره :

عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏ :
‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ " لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ ‏ ‏مُحَدَّثُونَ ‏ ‏فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ ‏ ‏عُمَرُ ‏ " .
‏زَادَ ‏ ‏زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏سَعْدٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَمَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ  وعلى آله وَسَلَّمَ " ‏ ‏لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏ ‏رِجَالٌ يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ ‏ ‏فَعُمَرُ ‏ ‏" .
قَالَ ‏ ‏ابْنُ عَبَّاسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏ ‏مِنْ نَبِيٍّ وَلَا مُحَدَّثٍ ‏
.


قال الإمام القاضي الحافظ ابن حجر الأشعري الشافعي رحمه الله :
الحديث الحادي عشر : حديث أبي هريرة ، أورده من وجهين :
قوله : ( عن أبي هريرة ) كذا قال أصحاب إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن أبي سلمة ، وخالفهم ابن وهب فقال " عن إبراهيم بن سعد بهذا الإسناد عن أبي سلمة عن عائشة " قال أبو مسعود : لا أعلم أحدا تابع ابن وهب على هذا ، والمعروف عن إبراهيم بن سعد أنه عن أبي هريرة لا عن عائشة ، وتابعه زكريا بن أبي زائدة عن إبراهيم بن سعد يعني كما ذكره المصنف معلقا هنا ، وقال محمد بن عجلان :  " عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن عائشة " أخرجه مسلم والترمذي والنسائي ، قال أبو مسعود : وهو مشهور عن ابن عجلان ، فكأن أبا سلمة سمعه من عائشة ومن أبي هريرة جميعا . قلت : وله أصل من حديث عائشة أخرجه ابن سعد من طريق ابن أبي عتيق عنها ، وأخرجه من حديث خفاف بن إيماء أنه كان يصلي مع عبد الرحمن بن عوف فإذا خطب عمر سمعه يقول : أشهد أنك مكلم .

قوله : ( محدثون ) بفتح الدال جمع محدث ، واختلف في تأويله فقيل : ملهم . قاله الأكثر ، قالوا : المحدث بالفتح هو الرجل الصادق الظن ، وهو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدثه غيره به ، وبهذا جزم أبو أحمد العسكري . وقيل : من يجري الصواب على لسانه من غير قصد ، وقيل : مكلم أي تكلمه الملائكة بغير نبوة ، وهذا ورد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا ولفظه قيل : يا رسول الله ، وكيف يحدث ؟ قال : تتكلم الملائكة على لسانه رويناه في " فوائد الجوهري " وحكاه القابسي وآخرون ، ويؤيده ما ثبت في الرواية المعلقة . ويحتمل رده إلى المعنى الأول أي تكلمه في نفسه وإن لم ير مكلما في الحقيقة فيرجع إلى الإلهام ، وفسره ابن التين بالتفرس ، ووقع في مسند " الحميدي " عقب حديث عائشة " المحدث : الملهم بالصواب الذي يلقى على فيه " وعند مسلم من رواية ابن وهب " ملهمون ، وهي الإصابة بغير نبوة " وفي رواية الترمذي عن بعض أصحاب ابن عيينة " محدثون يعني مفهمون " وفي رواية الإسماعيلي " قال إبراهيم - يعني ابن سعد راويه - قوله : محدث أي يلقى في روعه " انتهى ، ويؤيده حديث إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر ، وأحمد من حديث أبي هريرة ، والطبراني من حديث بلال ، وأخرجه في " الأوسط " من حديث معاوية وفي حديث أبي ذر عند أحمد وأبي داود " يقول به " بدل قوله " وقلبه " وصححه الحاكم ، وكذا أخرجه الطبراني في " الأوسط " من حديث عمر نفسه .

قوله : ( زاد زكريا بن أبي زائدة عن سعد ) هو ابن إبراهيم المذكور ، وفي روايته زيادتان : إحداهما بيان كونهم من بني إسرائيل ، والثانية تفسير المراد بالمحدث في رواية غيره فإنه قال بدلها " يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء " .

قوله : ( منهم أحد ) في رواية الكشميهني " من أحد " ورواية زكريا وصلها الإسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما ، وقوله : " وإن يك في أمتي " قيل : لم يورد هذا القول مورد الترديد فإن أمته أفضل الأمم ، وإذا ثبت أن ذلك وجد في غيرهم فإمكان وجوده فيهم أولى ، وإنما أورده مورد التأكيد كما يقول الرجل : إن يكن لي صديق فإنه فلان ، يريد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء ، ونحوه قول الأجير : إن كنت عملت لك فوفني حقي ، وكلاهما عالم بالعمل لكن مراد القائل أن تأخيرك حقي عمل من عنده شك في كوني عملت . وقيل : الحكمة فيه أن وجودهم في بني إسرائيل كان قد تحقق وقوعه ، وسبب ذلك احتياجهم حيث لا يكون حينئذ فيهم نبي ، واحتمل عنده - صلى الله عليه
وعلى آله وسلم - أن لا تحتاج هذه الأمة إلى ذلك لاستغنائها بالقرآن عن حدوث نبي ، وقد وقع الأمر كذلك حتى إن المحدث منهم إذا تحقق وجوده لا يحكم بما وقع له بل لا بد له من عرضه على القرآن ،  فإن وافقه أو وافق السنة عمل به وإلا تركه ، وهذا وإن جاز أن يقع لكنه نادر ممن يكون أمره منهم مبنيا على اتباع الكتاب والسنة ، وتمحضت الحكمة في وجودهم وكثرتهم بعد العصر الأول في زيادة شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيه ، وقد تكون الحكمة في تكثيرهم مضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء فيهم ، فلما فات هذه الأمة كثرة الأنبياء فيها لكون نبيها خاتم الأنبياء عوضوا بكثرة الملهمين . وقال الطيبي : المراد بالمحدث الملهم البالغ في ذلك مبلغ النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في الصدق ، والمعنى لقد كان فيما قبلكم من الأمم أنبياء ملهمون ، فإن يك في أمتي أحد هذا شأنه فهو عمر ، فكأنه جعله في انقطاع قرينه في ذلك هل نبي أم لا قال مصحح طبعة بولاق : لعل فيه سقطا والأصل " جعله انقطاع قرينه في ذلك في شك هل هو نبي إلخ " فلذلك أتى بلفظ " إن " ويؤيده حديث لو كان بعدي نبي لكان عمر فـ " لو " فيه بمنزلة إن في الآخر على سبيل الفرض والتقدير ، انتهى . والحديث المشار إليه أخرجه أحمد والترمذي وحسنه ، وابن حبان والحاكم من حديث عقبة بن عامر ، وأخرجه الطبراني في " الأوسط " من حديث أبي سعيد ، ولكن في تقرير الطيبي نظر ; لأنه وقع في نفس الحديث " من غير أن يكونوا أنبياء " ولا يتم مراده إلا بفرض أنهم كانوا أنبياء .

قوله : ( قال ابن عباس : من نبي ولا محدث ) أي في قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى الآية ، كأن ابن عباس زاد فيها ولا محدث أخرجه سفيان بن عيينة في أواخر جامعه ، وأخرجه عبد بن حميد من طريقه وإسناده إلى ابن عباس صحيح ، ولفظه عن عمرو بن دينار قال " كان ابن عباس يقرأ : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث ) . والسبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من الموافقات التي نزل القرآن مطابقا لها ، ووقع له بعد النبي - صلى الله عليه
وعلى آله وسلم - عدة إصابات .

وقال الفقيه المحدث الصوفي الأشعري الزرهوني المالكي رحمه الله :
مُحدّثون : قال القرطبي : المحدثون المُلهمون يحدثون في ضمائرهم بأمور صحيح من نوع الغيب فتظهر على نحو ما وقع لهم وهي كرامة من الله تعالى بكرم بها من شاء من صالح عباده . ا هـ .
وقال القابسي : معناه تكلمهم الملائكة في سرّهم من غير نبوءة لقوله في الأخر " يُكلمون " . نقله الأبي .
وقال الفاسي : وهذا معنى قول الصوفية : قيل لي ونوديت في سري . وإنكار ابن عرفة لذلك مردود . فإن يكُ في أمتي : هذا صورته ، صورة الترديد وهو للتوكيد كما يقول الرجل : إن يكن لي صديق ، فإنه فلان يريد اختصاصه بكمال الصداقة عن غيره ، لا التردد في وجود صديق له . فإنه عمر : أي مهما يكن ذلك في هذه الأمة ، لم يعد عمر .

ابن حجر : وقد وقع بحمد الله ما توقعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه كما وقع له من الموافقات التي نزل بها القرآن مطابقا لها . ومن غيرها كقوله " يا سارية الجبل " مما هو مذكور في كتب الأخبار . يُكلمون : أي في سرهم .