رقم الفتوى: 4225

نص السؤال :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أود الاستفسار عن معنى التالي في علم السلوك الى الله عز وجل - التصوف -: ١- القلب ٢- العقل ٣- النفس ٤- الروح جزاكم الله خيرا.

الجواب :

معاني إصطلاحات

أ- القلب :
جاء في الموسوعة الصوفية ما يأتي :
قالت الصوفية : للقلب معنيان : أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر ، وهذا القلب يكون للبهائم أيضا ، بل وللميت كذلك ، وثانيهما : لطيفة ربانية روحانية ، لها تعلق بالقلب الجسماني كتعلق الأعراض بالأجسام ، والأوصاف بالموصوفات ، وهو حقيقة الإنسان ، والمعنى المراد كلما ذكر القلب في القرآن أو السنة .
إلى هذا المعنى أشار الله بقوله تعالى " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " فهو النور الأزلي ، والسر العلي المنزل في عين الأكوان ، لينظر الله تعالى به إلى الإنسان ، ويعبّر عنه في الكتاب بروح الله المنفوخ في روح آدم ، حيث قال " ونفخت فيه من روحي " .
ويسمى هذا النور بالقلب لمعان : منها أنها لبابة المخلوقات وزبدة الموجودات جمعيها ، فسمي بهذا الإسم لأن القلب الشيء خلاصته وزبدته ، ومنها أيضا أنه سريع التقلب ، وذلك لأنه نقطة يدور عليها محيط الأسماء والصفات ، ومنها أن القلب لحقائق الوجود كالمرآة للوجه .
وأنه لما كان العالم سريع التغير في كل نفس ، انطبعت صورته في القلب ، فهو كذلك سريع التغير . وقيل كذلك إن العالم هو مرآة القلب وليس العكس ، فالأصل هو القلب ، والفرع هو العالم ، ولهذا قال الله تعالى " ما وسعني أرضي لولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن " ، ولو كان العالم هو الأصل لكان أولى بالوسع من القلب ، فعلم أن القلب هو الأصل ، وأن العالم هو الفرع .

وهذا الوسع عى ثلاثة أنواع :
الأول : وسع العلم ، وذلك هو المعرفة بالله وبمخلوقاته وأسبابه .
والثاني : هو وسع المشاهدة ، وذلك هو الكشف الذي يطّلع القلب به على محاسن جمال الله تعالى في مخلوقاته .
والثالث : وسع الخلافة ، وهو التحقق بأسمائه تعالى وصفاته حتى أنه - أي العبد المؤمن - يرى ذاته - أي أن الله يراه في مكوناته ، فتنزل من قلبه  كأنما هو المكوّن ، فتكون هوية الحق عين هوية العبد ، فيتصرف في الوجود تصرف الخليفة في مُلك المستخلف ، وهذا وسع المحققين .

وأرباب القلوب : هم أهل الحقائق من المريدين والعارفين والمتحققين ، والواجدين ،  وأهل المجاهدات والرياضات والمتقربين إليه بأنواع الطاعات ظاهرا وباطنا .

وحضور القلب بالحق يكون بالغيبة عن الخلق .

وجنة القلب : هي الجنة المعنوية من تجليات الصفات والأسماء الإلهية ، وهي جنة الصفات أيضا .

وعند الصوفية القلوب أنواع ، كالقلب المؤمن ، والكافر ، والسليم ، والآثم ، والقاسي ، والفظ ، والمريض ، والمطمئن  ، والواعي ، والمختوم ، والمربوط عليه ، والخصيم ، والناكر ، والمنيب ، والمهدي ، والتقي ، والمجرم ، والمشمئز ، والمتألف ، والمُمحص ، والطاهر ، والخيّر ، والعاقل ، والأعمى ، والصاغي ، والغُلف ، والغليل ، والفظ ، والوَجل ، والمكنون ، والمسحور ، والمتشابه ، والرحيم ، والمنافق ، والعاقل ، والمغلق .... الخ .

والقلوب ثلاثة : قلب مثل الجبل لا يزيله شيء ، وقلب مثل النخلة ثابت والريح تميلها ، وقلب كالريشة يميل مع الريح يمينا وشمالا ، والله قد خلق القلوب مساكن للذكر ، فصارت مساكن للشهوات ، لا يمحو الشهوات من القلوب إلا خوفٌ مزعج أو شوق مقلق .
وموضع السر في الإنسان أربعة لا غير : العين ، واللسان ، والقلب ، والهوى  ، ومن أراد النجاة فلينظر إلى عينه ، لا ينظر بها إلى ما لا يحل له ، ولينظر لسانه ، لا يقول به شيئا يعلم الله خلافه من قلبه ، ولينظر قبله ، لا يكن فيه غل ولا حقد على أحد ، ولينظر هواه ، لا يهوى شيئا من الشر .

وأشرف القلوب ، قلب حي بنور الفهم عن الله . والتقوى تشرح قلوب الطاهرين ، والبر يزهرها . وقلوب الفُجار تُظلم بالفجور ، وتعمى بسوء النية . وليس من العبادات ما هو أنفع من إصلاح خواطر القلوب .

وارجع إلى الفتوى ذات الرقم 210 ، وموضوع " تزكية النفس " موفقا .

ب- النفس :
( بسكون الفاء ) النفس خمسة أضرب : حيوانية ، وأمارة ، ومُنهمة ، ولوامة ، ومطمئنة ، وكلها أسماء للروح ، إذ ليست حقيقة النفس إلا الروح ، وليست حقيقة الروح إلا الحق .
فالنفس الحيوانية : تُسمى الروح باعتبار تدبيرها للبدن .
 والنفس الأمارة : هي التي يقول عنها الحق " إن النفس لأمارة بالسوء " ، باعتبار ما يأتيها من المقتضيات الطبيعية الشهوانية ، للانهماك في اللذات الحوانية ، وعدم المبالاة بالأوامر والنواهي .
والنفس اللوامة : هي التي يقسم بها الحق إذ يقول " ولا أقسم بالنفس اللوامة " ، باعتبار أخذها في الرجوع والإقلاع ، فكأنها تلوم نفسها ، وتتوب عن سيئاتها ، وتستغفر الله الغفار التواب .
والنفس المطمئنة : هي التي تتنور بنور القلب فتنخلع عن صفاتها الذميمة وتتخلق بالأخلاق الحميدة ، وتترقى إلى جناب عالم القدس ، مساكنة إلى حضرة رفيع الدرجات ، حتى خاطبها ربها فقال " يا أيتها النفس المطمئنة ، ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، فادخلي في عبادي ، وادخلي جنتي " .
 
وقيل النفس : ناطقة ، وصالحة ، وحكيمة ، ونبوية : وهي ناطقة من حيث علمها بالأمور المرتبة على أسبابها ، وصالحة من حيث اشتياقها  إلى الكمال وحرصها على الخير ، وقلقها من النقص ، واهتمامها بالنجاة ، وحكمية من حيث إصدارها للأحكام ومعرفتها بالمذاهب وأجناس العلوم ، واستدلالها على التوحيد ، وتحقيقها مفهوم الصفات وسر الوحدانية ، وبحثها في الهوية والوحدة الإلهية المطلقة والجواهر الروحانية ، ونبوية من حيث تمثيلها للسعادة ، وإقامتها البراهين السهلة المفهومة ، ومخاطبتها بالخطاب الملائم ، وتحديها بالمعجزات .

والنفس الرحماني : هو الوجود الإضافي الوحداني والمتكثر بصور المعاني التي هي الأعيان وأحوالها في الحضرة الواحدية ، تشبها بنفس الإنسان المختلف بالصور مع كونه هواء ساذجا في نفسه ، وترويحا للأسماء الداخلة تحت اسم الرحمن عن كربها بحكم كمون أعيانها فيها بالقوة ، كترويح الإنسان بالنفس .

وحظوظ النفس : هي ما زاد في حقوقها ، وحقوقها هي ما يتوقف عليه حياتها وبقاؤها .

وفلان بلا نفس : معناه أن لا تظهر عليه أخلاق النفس ، لأن من أخلاق النفس الغضب والحدة والتكبر والشره والطمع والحسد ، فإذا كان عبدٌ قد سلم من هذه الآفات وما شاكلها يقال إنه بلا نفس ، يعني كأنه ليس له نفس .

وارجع إلى الفتوى ذات الرقم 3308 ، وموضوع
النفس وكيفية علاجها راشدا .

حـ - العقل :
في القاموس العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها .

قال العلامة اللكنوي رحمه الله :
سُئل بعض الحكماء عن العقل ، فقال : العلم بخير الخيرين وشر الشرين . ويطلق لأمور : لقوة بها يكون التمييز بين القبيح والحسن .
ولمعان مجتمعة في الذهن تكون بمقدمات تستتب بها الأغراض والمصالح .
ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلامه . والحق أنه نور روحاني به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية ، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ .
والحق أنه نور في بدن الآدمي يضيء به طريقا يبتدأ به من حيث ينتهي إليه درك الحواس ، فيبدو به المطلوب للقلب ، فيدرك القلب بتوفيق الله . وهو كالشمس في الملكوت الظاهرة .

وقيل : هو قوة للنفس بها تستعد للعلوم والإدراكات . وهو المعني بقولهم : صفة غريزة يلزمها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات .
قال الأشعري رحمه الله : هو علم مخصوص ، فلا فرق بين العلم والعقل إلا بالعموم والخصوص .
وقال بعضهم : العقل يقال للقوة المتهيئة لقبول العلم .
ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان . بتلك القوة ، فكل موضع ذم الله الكفار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني .

وكل موضع رفع التكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأول . والصواب ما قاله بعض المحققين ، وهو أنه نور معنوي في الإنسان يبصر به القلب - أي النفس الإنسانية - المطلوب ، أي ما غاب عن الحواس بتأمله وتفكره بتوفيق الله تعالى بعد انتهاء درك الحواس ، ولهذا قيل : بداية العقول نهاية المحسوسات .

وارجع إلى موضوع " النفس وكيفية علاجها  " راشدا .