رقم الفتوى: 327

نص السؤال :

ما حكم من يطلب من أولياء الله ما لا يقدر عليه إلا الله مع نفي التأثير عنهم واعتقاد أن الله يكرمهم بأن يجري الكرامات على أيديهم كماأكرمهم في الدنيا.بارك الله فيكم.

الجواب :

قال السيد أحمد بن زيني دحلان رحمه الله:
"مذهب أهل السنة والجماعة جواز التوسل والاستغاثة بالأحياء والأموات لأنا لا نعتقد تأثيرا ولا نفعا ولا ضرا إلا لله وحده لا شريك له والأنبياء لا تأثير لهم في شيء وإنما يتبرك بهم ويستغاث بمقامهم لكونهم أحباء الله تعالي، والذين يفرقون بين الأحياء والأموات هم الذين يعتقدون التأثير للأحياء دون الأموات ونحن نقول الله خالق كل شيء: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ }الصافات-96".

الميت ينفع الحي فقد ثبت أنهم يدعون للأحياء ويشفعون لهم، قال الإمام عبد الله بن علوي الحداد رضي الله عنه ونفعنا به أن الأموات أكثر نفعا للأحياء منهم لهم لأن الأحياء مشغولون عنهم بهم الرزق والأموات قد تجردوا عنه ولا هَمَّ لهم إلا فيما قدموه من الأعمال الصالحة لا تعلق لهم إلا بذلك كالملائكة.

والدليل علي ذلك ما رواه الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (إن أعمالكم تعرض علي أقاربكم وعشائركم فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا). وروي البزار بإسناد صحيح عن ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: (حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت لكم).

قال العلماء: وأي منفعة أعظم من استغفاره -صلى الله عليه وآله وسلم- حين يعرض عليه عمل المسيء من أمته.

قال بعض العلماء: وأدل دليل علي أن الميت ينفع الحي أيضا ما وقع لسيدنا الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ليلة أسري به حين فرض الله عليه وعلي أمته خمسين صلاة فأشار عليه سيدنا موسى -عليه السلام- بأن يراجع ربه ويسأله التخفيف كما ورد في الصحيح.

فسيدنا موسى قد انتقل إلى الرفيق الأعلى وقتئذ ونحن وسائر الأمة المحمدية إلي يوم القيامة في بركته -عليه السلام- وقد وقع عنهم التخفيف بواسطته وتلك من أعظم المنافع.

وفي بغية المسترشدين في تلخيص فتاوى بعض الأئمة من العلماء المتأخرين للسيد عبدالرحمن باعلوي -رحمه الله- : مسألة التوسل بالأنبياء والأولياء في حياتهم وبعد وفاتهم مباح شرعاً كما وردت به السنة الصحيحة كحديث آدم عليه السلام حين عصى، وحديث من اشتكى عينه، وأحاديث الشفاعة، والذي تلقيناه عن مشايخنا وهم من مشايخهم وهلم جراً: أن ذلك جائز ثابت في أقطار البلاد، وكفى بهم أسوة وهم الناقلون لنا الشريعة وما عرفنا إلا بتعليمهم لنا.

فلو قدَّرنا أن المتقدمين كفروا كما يزعم هؤلاء، لبطلت الشريعة المحمدية.

وقول الشخص المؤمن يا فلان عند وقوعه في شدة داخل في التوسل بالمدعو إلى الله تعالى وصرف النداء إليه مجاز لا حقيقة، والمعنى: يا فلان أتوسل بك إلى ربي أن يقبل عثرتي أو يرد غائبي مثلاً، فالمسئولُ في الحقيقة هو الله تعالى، وإنما أطلق الاستغاثة بالنبي أو الولي مجازاً، والعلاقة بينهما إن قصد الشخص التوسل بنحو النبي صار كالسبب وإطلاقه على المسبب جائز شرعاً وعرفاً وارد في القرآن والسنة وهو مقررفي علم المعاني والبيان.

نعم، ينبغي تنبيه العوام على ألفاظ تصدر منهم تدل على القدح في توحيدهم، فيجب إرشادهم وإعلامهم بأن لا نافع ولا ضار إلا الله تعالى، لا يملك غيره لنفسه ضراً ولا نفعاً إلا بإرادة الله تعالى قال الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وآله وسلم-: { قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا }الجن-21.

وعبارة الإمام الكردي: وأما التوسل بالأنبياء والصالحين فهو أمر محبوب ثابت في الأحاديث الصحيحة، وقد أطبقوا على طلبه بل ثبت التوسل بالأعمال الصالحة وهي أعراض فبالذوات أولى، أما جعل الوسائط بين العبد وربه فإن كان يدعوهم كما يدعوا الله تعالى في الأمور ويعتقد تأثيرهم في شيء من دون الله تعالى فهو كفر، وإن كان مراده التوسل بهم إلى الله تعالى في قضاء مهماته مع اعتقاده أن الله هو النافع الضار المؤثر في الأمور فالظاهر عدم كفره وإن كان فعله قبيحاً.

وسئل السيد عمر البصري عن قول الشخص: "شيء لله يا فلان"... الخ، فأجاب: قول العامة يا فلان شيء لله غير عربية لكنها من مولدات أهل العرف، ولم يُحفظ لأحد من الأئمة نص صريح في النهي عنها، وليس المراد بها في إطلاقهم شيئاً يستدعي مفسدة الحرام أو المكروه، لأنهم إنما يذكرونها استمداداً أو تعظيماً لمن يحسنون فيه الظن، والله أعلم.