رقم الفتوى: 3152

نص السؤال :

هل يجوز ان اصلي النوافل قبل صلاة الفجر بعد صلاة العشاء والشفع والوتر وشكرا

الجواب :

أ- التنفل قبل صلاة الفجر

اما قبل الأذان في وقت السحر فهو مطلوب ، وأمر مرغب فيه . ومن سيما الصالحين .
أما بعد أذان الفجر فتصلين ركعتي سنة الفجر ، وهي من آكد السنن ، بعد الوتر .
ولكن لا يزيد بعد أذان الفجر على ركعتين ، جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما يأتي :

ذهب جمهور الفقهاء إلى كراهية التنفل قبل صلاة الصبح إلا بسنة الفجر . وذهب المالكية إلى أنه يجوز أن يصلي الوتر إذا كان من عادته أن يصليه بالليل ، فلم يصله حتى طلع الفجر . واستدل الجمهور على كراهة التنفل قبل صلاة الصبح بقوله صلى الله عليه وسلم { ليبلغ شاهدكم غائبكم ، ولا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين } . أي لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر . الوقت الثاني : بعد صلاة الصبح : واتفق الفقهاء على كراهة التنفل المطلق ( وهو ما لا سبب له ) بعد صلاة الصبح ، لما رواه الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ، ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس } . وذهب الشافعية إلى جواز أداء كل صلاة لها سبب ، كالكسوف والاستسقاء والطواف ، وسواء أكانت فائتة فرضا أم نفلا ، { لأنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر ركعتين وقال : هما اللتان بعد الظهر } .


ب - التطوع بعد صلاة الوتر

قال الإمام المحدث الفقيه الحنفي أبو جعفر الطحاوي - رحمه الله - :

عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَفِي وَسَطِهِ وَفِي آخِرِهِ ثُمَّ ثَبَتَ لَهُ الْوِتْرُ فِي آخِرِهِ } .

قال أبو جعفر : فذهب قوم إلى أن الوقت الذي ينبغي أن يجعل فيه الوتر هو السحر وأنه لا يتطوع بعده ، وأن من تطوع بعده فقد نقضه ، وعليه أن يعيد وترا آخر واحتجوا في ذلك بتأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم الوتر إلى آخر الليل وبما روي عن جماعة من أصحابه من بعده أنهم كانوا يرون من تطوع بعد وتر فقد نقضه . وذكروا في ذلك ما حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن موسى بن طلحة أن عثمان رضي الله عنه ، قال : إني أوتر أول الليل ، فإذا قمت من آخر الليل صليت ركعة فما شبهتها إلا بقلوص أضمها إلى الإبل . حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا وهب ، قال : ثنا شعبة ، عن عبد الملك بن عمير . فذكر بإسناده مثله . حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا ابن أبي ذئب ، عن عمران بن بشير ، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر كان يفعل ذلك . حدثنا ابن مرزوق ، قال ثنا وهب ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي هارون الغنوي ، عن حطان بن عبد الله ، قال : سمعت عليا رضي الله عنه يقول ( الوتر على ثلاثة أنواع : رجل أوتر أول الليل ثم استيقظ فصلى ركعتين ، ورجل أوتر أول الليل فاستيقظ فوصل إلى وتره ركعة فصلى ركعتين ركعتين ثم أوتر ، ورجل أخر وتره إلى آخر الليل ) .

ورووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ما
حدثنا فهد ، قال : ثنا يحيى بن عبد الله البابلتي ، قال : ثنا الأوزاعي قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة رضي الله عنها { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركع ركعتين بعد الوتر قرأ فيهما ، وهو جالس فلما أراد أن يركع قام فركع } . وقد ذكرنا مثل ذلك أيضا ، عن عائشة رضي الله عنها في ( باب الوتر ) في حديث سعد بن هشام . حدثنا فهد ، قال : ثنا أبو غسان ، قال : ثنا عمارة بن زاذان ، عن ثابت البناني ، عن أنس رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين بعد الوتر ب الرحمن ، والواقعة } . حدثنا ابن أبي داود ، قال : ثنا عبد الرحمن بن المبارك ، قال : ثنا عبد الوارث ، عن أبي غالب ، عن أبي أمامة { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليهما بعد الوتر ، وهو جالس يقرأ فيهما " إذا زلزلت " و " قل يا أيها الكافرون " } .

حدثنا فهد ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن شريح بن عبيد ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه ، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال { كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فقال : إن هذا السفر جهد وثقل ، إذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين ، فإن ، استيقظ وإلا كانتا له }
. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تطوع بعد الوتر بركعتين وهو جالس ولم يكن ذلك ناقضا لوتره المتقدم ، فهذا أولى مما تأوله أهل المقالة الأولى وادعوه من معنى حديث علي رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى وتره إلى السحر } مع أن ذلك أيضا ليس به خلاف عندنا لهذا ، لأنه قد يجوز أن يكون وتره ينتهي إلى السحر ثم يتطوع بعده قبل طلوع الفجر . فإن قال قائل : يحتمل أن يكون تينك الركعتان هما ركعتا الفجر ، فلا يكون ذلك من صلاة الليل . قيل له : لا يجوز ذلك من جهتين أما أحدهما : فلأن سعد بن هشام إنما سأل عائشة رضي الله عنها ، عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل ، فكان ذلك منها جوابا لسؤاله وإخبارا منها إياه ، عن صلاته بالليل كيف كانت . و

الجهة الأخرى : أنه ليس لأحد أن يصلي ركعتي الفجر جالسا ، وهو يطيق القيام
؛ لأنه بذلك تارك لقيامها ، وإنما يجوز أن يصلي قاعدا وهو يطيق القيام ما له أن لا يصليه ألبتة ، ويكون له تركه ، فهو كما له تركه بكماله ، يكون له ترك القيام فيه . فأما ما ليس له تركه فليس له ترك القيام فيه . فثبت بذلك أن تينك الركعتين اللتين تطوع بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الوتر كانتا من صلاة الليل ، وفي ذلك ما وجب به قول الذين لم يروا بالتطوع في الليل بعد الوتر بأسا ولم ينقضوا به الوتر . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك من قوله ما يدل على هذا أيضا ما قد ذكرناه عنه في حديث ثوبان . وقد حدثنا عمران بن موسى الطائي وابن أبي داود قالا : حدثنا أبو الوليد ح . وحدثنا ابن أبي عمران ، قال : ثنا علي بن الجعد ، قالا : أنا أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا وتران في ليلة } . حدثنا ابن أبي داود ، قال : ثنا أبو الوليد ، قال : ثنا ملازم بن عمرو ، قال : حدثني عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . حدثنا أبو أمية ، قال : ثنا أبو نعيم وأبو الوليد ، قالا : ثنا ملازم عن عبد الله بن بدر . فذكر بإسناده مثله . حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا أبو داود ، قال : ثنا زائدة عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : متى توتر ؟ قال : أول الليل بعد العتمة ، قال : أخذت بالوثقى ، ثم قال لعمر : متى توتر ؟ قال : آخر الليل ، قال : أخذت بالقوة } .

حدثنا يونس ، قال : ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، قال : حدثني الليث عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب { أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما تذاكرا الوتر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أما أنا فأصلي ثم أنام على وتر ، فإذا استيقظت صليت شفعا حتى الصباح ، فقال عمر رضي الله عنه : لكني أنام على شفع ، ثم أوتر من آخر السحر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه : حذر هذا ، وقال لعمر رضي الله عنه : قوي هذا }
. فدل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا وتران في ليلة } على ما ذكرنا من نفي إعادة الوتر ووافق ذلك قول أبي بكر رضي الله عنه : { أما أنا فأوتر أول الليل ، فإذا استيقظت صليت شفعا حتى الصباح وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم النكير عليه } دليل على أن حكم ذلك كما كان يفعل ، وأن الوتر لا ينقضه النوافل التي يتنفل بها بعده . وقد روي ذلك أيضا عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا وهب بن جرير ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي جمرة قال : سألت ابن عباس رضي الله عنهما ، عن الوتر فقال : إذا أوترت أول الليل فلا توتر آخره ، وإذا أوترت آخره ، فلا توتر أوله .

 قال : وسألت عائذ بن عمرو ، فقال مثله
. حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا أبو عامر العقدي ، قال : ثنا شعبة ، عن قتادة ومالك بن دينار ، أنهما سمعا خلاسا ، قال : سمعت عمار بن ياسر - وسأله رجل عن الوتر - فقال : أما أنا فأوتر ثم أنام ، فإن قمت ، صليت ركعتين ركعتين فاحتمل ذلك أن يكون يشفع بركعة كما كان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ، ويحتمل أن يكون يصلي شفعا شفعا . ففي حديث شعبة ما قد بين أن معنى قول : " شفعت " ، أي صليت شفعا شفعا ، ولم أنقض الوتر . حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا أبو داود ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، قال : ذكر عند عائشة رضي الله عنها نقض الوتر ، فقالت : " لا وتران في ليلة " . حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا عبد الله بن حمران ، قال : ثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عمر بن الحكم ، أن أبا هريرة رضي الله عنه ، قال : " لو جئت بثلاث أبعرة فأنختها ، ثم جئت ببعيرين فأنختهما ، أليس كان يكون ذلك وترا ؟ " ، قال : وكان يضربه مثلا لنقض الوتر .

 وهذا - عندنا - كلام صحيح ، ومعناه أن ما صليت بعد الوتر من الأشفاع ، فهو مع الوتر الذي أوترته وترا .
حدثنا يونس ، قال : أنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي مرة ، مولى عقيل بن أبي طالب رضي الله عنهما ، أنه { سأل أبا هريرة رضي الله عنه ، كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر ؟ فقال : إن شئت أخبرتك كيف أصنع أنا ، قلت : أخبرني . قال : إذا صليت العشاء ، صليت بعدها خمس ركعات ، ثم أنام ، فإن قمت من الليل ، صليت مثنى مثنى ، وإن أصبحت ، أصبحت على وتر } . فهذا ابن عباس رضي الله عنهما ، وعائذ بن عمرو ، وعمار ، وأبو هريرة رضي الله عنهما ، وعائشة رضي الله عنها ، لا يرون التطوع بعد الوتر ، ينقض الوتر . فهذا أولى - عندنا - مما روي عمن خالفهم ، إذ كان ذلك موافقا لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله وقوله . والذي روي عن الآخرين أيضا فليس له أصل في النظر ، لأنهم كانوا إذا أرادوا أن يتطوعوا ، صلوا ركعة ، فيشفعون بها وترا متقدما ، قد قطعوا فيما بينه وبين ما شفعوا به ، بكلام ، وعمل ، ونوم ، وهذا لا أصل له أيضا في الإجماع ، فيعطف عليه هذا الاختلاف .

فلما كان ذلك كذلك ، وخالفه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من ذكرنا ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا خلافه ، انتفى ذلك ، ولم يجز العمل به . وهذا القول الذي بينا ، قول
أبي بكرة ، وأبي يوسف ، ومحمد .