نص السؤال :
هل يجوز لي الاعتكاف بالبيت عوض المسجد في عشر اواخر من رمضان
الجواب :
الاعتكاف بالبيت
نظرا لأهمية الموضوع ، وعدم تطرقنا إليه من قبل ، ننقل ما جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ، مما نحتاج إليه هنا :
الاعتكاف :
شرعا : اللبث في المسجد على صفة مخصوصة بنية .
حكمة الاعتكاف :
الاعتكاف
فيه تسليم المعتكف نفسه بالكلية إلى عبادة الله تعالى طلب الزلفى ، وإبعاد
النفس من شغل الدنيا التي هي مانعة عما يطلبه العبد من القربى ، وفيه
استغراق المعتكف أوقاته في الصلاة إما حقيقة أو حكما ، لأن المقصد الأصلي
من شرعية الاعتكاف انتظار الصلاة في الجماعات ، وتشبيه المعتكف نفسه
بالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ويسبحون
الليل والنهار لا يفترون .
حكمه التكليفي :
الاعتكاف سنة ، ولا يلزم إلا بالنذر ، لكن اختلف الفقهاء في مرتبة هذه السنية .
فقال
الحنفية : إنه سنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان ، ومستحب فيما عدا ذلك
. وفي المشهور عند المالكية ، أنه مندوب مؤكد وليس بسنة .
وقال ابن عبد البر : إنه سنة في رمضان ومندوب في غيره .
وذهب
الشافعية إلى أنه سنة مؤكدة ، في جميع الأوقات ، وفي العشر الأواخر من
رمضان آكد ،« اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبا لليلة القدر ».
وقال
الحنابلة : إنه سنة في كل وقت ، وآكده في رمضان ، وآكده في العشر الأخير
منه . قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سنة ، لا يجب على
الناس فرضا ، إلا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرا ، فيجب عليه .
ومما
يدل على أنه سنة« فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته عليه تقربا إلى
الله تعالى ، وطلبا لثوابه ، واعتكاف أزواجه معه وبعده ».
أما أن
الاعتكاف غير واجب فلأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يلتزموا
الاعتكاف كلهم ، وإن صح عن كثير من الصحابة فعله . وأيضا فإن النبي صلى
الله عليه وسلم لم يأمر أصحابه بالاعتكاف إلا من أراده ، لقول النبي صلى
الله عليه وسلم : « من كان اعتكف معي ، فليعتكف العشر الأواخر » - أي من
شهر رمضان - ولو كان واجبا لما علقه بالإرادة . ويلزم الاعتكاف بالنذر ،
لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « من نذر أن يطيع الله فليطعه » وعن عمر
رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله : إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد
الحرام ،« فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك » .
اعتكاف المرأة :
يصح
اعتكاف المرأة باتفاق الفقهاء بالشروط المتقدمة ، ويشترط للمتزوجة أن يأذن
لها زوجها ، لأنها لا ينبغي لها الاعتكاف إلا بإذنه - أي يصح من غير إذنه
مع الإثم في الافتيات عليه - فإن أذن لها الزوج بالاعتكاف واجبا أو نفلا ،
فلا ينبغي له أن يطأها ، فإن منعها زوجها بعد إذنه لها لا يصح منعه . هذا
قول الحنفية .
وذهب المالكية إلى أنه لا يحق للزوج أن يمنع زوجته بعد
إذنه لها بالاعتكاف المنذور ، سواء أدخلت في العبادة أم لم تدخل ، إلا إذا
كان النذر مطلقا غير مقيد بأيام معينة ، فإن للزوج حينئذ أن يمنع زوجته من
الاعتكاف حتى ولو دخلت في العبادة ، ومن باب أولى ما إذا نذرت بغير إذنه
معينا أو غير معين .
أما إذا أذن لها في الاعتكاف بدون نذر ، فلا يقطعه
عليها إن دخلت في الاعتكاف ، فإن لم تدخل فيه كان له منعها . والاعتكاف
للمرأة مكروه تنزيها عند الحنفية ، وجعلوه نظير حضورها الجماعات .
وقال
الشافعية : لا يجوز اعتكاف المرأة إلا بإذن زوجها ، لأن التمتع بالزوجة من
حق الزوج . وحقه على الفور بخلاف الاعتكاف . نعم إن لم تفوت الزوجة على
زوجها منفعة ، كأن حضرت المسجد بإذنه ، فنوت الاعتكاف فإنه يجوز . ويكره
عندهم اعتكاف المرأة الجميلة ذات الهيئة قياسا على خروجها لصلاة الجماعة .
وللزوج إخراج زوجته من الاعتكاف
المسنون سواء أكان الاعتكاف بإذنه أم لا ، واستدل البهوتي الحنبلي بحديث :
« لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوما من غير رمضان إلا بإذنه » ، وقال :
وضرر الاعتكاف أعظم . وكذا يجوز للزوج إخراجها من الاعتكاف المنذور إلا
إذا أذن لها بالاعتكاف وشرعت فيه ، سواء أكان زمن الاعتكاف معينا أم كان
متتابعا أم لا . أو إذا كان الإذن أو الشروع في زمن الاعتكاف المعين أو
أذن في الشروع فيه فقط وكان الاعتكاف متتابعا ، وذلك لإذن الزوج بالشروع
مباشرة أو بواسطة ، لأن الإذن في النذر المعين إذن في الشروع فيه ،
والمعين لا يجوز تأخيره ، والمتتابع لا يجوز الخروج منه ، لما فيه من
إبطال العبادة الواجبة بلا عذر .
والحنابلة كالشافعية فيما تقدم ، إلا
في مسألة اعتكاف المرأة الجميلة ، فلم يذكروا أنه مكروه . وإذا اعتكفت
المرأة استحب لها أن تستتر بخباء ونحوه ،« لفعل عائشة وحفصة وزينب في عهده
صلى الله عليه وسلم » وتجعل خباءها في مكان لا يصلي فيه الرجال ، لأنه
أبعد في التحفظ لها . نقل أبو داود عن أحمد قوله : « يعتكفن في المسجد ،
ويضرب لهن فيه بالخيم » .
ولا بأس أن يستتر الرجال أيضا ،« لفعله صلى الله عليه وسلم »،ولأنه أخفى لعملهم . ونقل إبراهيم : لا . إلا لبرد شديد .
مكان الاعتكاف للرجل :
أجمع الفقهاء على أنه لا يصح اعتكاف الرجل والخنثى إلا في مسجد ، لقوله
تعالى : { وأنتم عاكفون في المساجد } وللاتباع ،« لأن النبي صلى الله عليه
وسلم لم يعتكف إلا في المسجد ».
واتفقوا على أن المساجد الثلاثة أفضل من غيرها ، والمسجد الحرام أفضل ، ثم المسجد النبوي ، ثم المسجد الأقصى .
واتفقوا
على أن المسجد الجامع يصح فيه الاعتكاف ، وهو أولى من غيره بعد المساجد
الثلاثة ، ويجب الاعتكاف فيه إذا نذر الاعتكاف مدة تصادفه فيها صلاة
الجمعة ، لئلا يحتاج إلى الخروج وقت صلاة الجمعة ، إلا إذا اشترط الخروج
لها عند الشافعية .
ثم اختلفوا في المساجد الأخرى التي يصح فيها الاعتكاف .
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه
لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد جماعة . وعن أبي حنيفة أنه لا يصح الاعتكاف
إلا في مسجد تقام فيه الصلوات الخمس ، لأن الاعتكاف عبادة انتظار الصلاة ،
فيختص بمكان يصلى فيه ، وصححه بعضهم . وقال أبو يوسف ومحمد : يصح في كل
مسجد وصححه السروجي . وعن أبي يوسف أنه فرق بين الاعتكاف الواجب والمسنون
، فاشترط للاعتكاف الواجب مسجد الجماعة ، وأما النفل فيجوز في أي مسجد كان
. ويعني الحنفية بمسجد الجماعة ما له إمام ومؤذن ، أديت فيه الصلوات الخمس
أو لا . واشترط الحنابلة لصحة الاعتكاف في المسجد أن تقام الجماعة في زمن
الاعتكاف الذي هو فيه ، ولا يضر عدم إقامتها في الوقت الذي لا يعتكف فيه ،
وخرج من ذلك المرأة والمعذور والصبي ومن هو في قرية لا يصلي فيها غيره ،
لأن الممنوع ترك الجماعة الواجبة ، وهي منتفية هنا . والمذهب عند المالكية
والشافعية أنه يصح الاعتكاف في أي مسجد كان .
مكان اعتكاف المرأة :
اختلفوا في مكان اعتكاف المرأة :
فذهب
الجمهور والشافعي في المذهب الجديد إلى أنها كالرجل لا يصح اعتكافها إلا
في المسجد ، وعلى هذا فلا يصح اعتكافها في مسجد بيتها ، لما ورد عن ابن
عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن امرأة جعلت عليها ( أي نذرت ) أن
تعتكف في مسجد بيتها ، فقال : " بدعة ، وأبغض الأعمال إلى الله البدع ".
فلا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة . ولأن مسجد البيت ليس بمسجد
حقيقة ولا حكما ، فيجوز تبديله ، ونوم الجنب فيه ، وكذلك لو جاز لفعلته
أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن - ولو مرة تبيينا للجواز .
وفي المذهب القديم للشافعي : أنه
يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ، لأنه مكان صلاتها . قال النووي : قد
أنكر القاضي أبو الطيب وجماعة هذا القديم . وقالوا : لا يجوز في مسجد
بيتها قولا واحدا وغلطوا من قال : فيه قولان .
وذهب الحنفية إلى جواز
اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ، لأنه هو الموضع لصلاتها ، فيتحقق انتظارها
فيه ، ولو اعتكفت في مسجد الجماعة جاز مع الكراهة التنزيهية ، والبيت أفضل
من مسجد حيها ، ومسجد الحي أفضل لها من المسجد الأعظم .
وليس للمرأة أن
تعتكف في غير موضع صلاتها من بيتها . وإن لم يكن لها في البيت مكان متخذ
للصلاة لا يجوز لها الاعتكاف في بيتها ، وليس لها أن تخرج من بيتها الذي
اعتكفت فيه اعتكافا واجبا عليها .