رقم الفتوى: 2955

نص السؤال :

هل يجوز لي الاعتكاف بالبيت عوض المسجد في عشر اواخر من رمضان

الجواب :

الاعتكاف بالبيت

نظرا لأهمية الموضوع ، وعدم تطرقنا إليه من قبل ، ننقل ما جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ، مما نحتاج إليه هنا :

الاعتكاف :
شرعا : اللبث في المسجد على صفة مخصوصة بنية .

حكمة الاعتكاف :
 الاعتكاف فيه تسليم المعتكف نفسه بالكلية إلى عبادة الله تعالى طلب الزلفى ، وإبعاد النفس من شغل الدنيا التي هي مانعة عما يطلبه العبد من القربى ، وفيه استغراق المعتكف أوقاته في الصلاة إما حقيقة أو حكما ، لأن المقصد الأصلي من شرعية الاعتكاف انتظار الصلاة في الجماعات ، وتشبيه المعتكف نفسه بالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون .

حكمه التكليفي :

الاعتكاف سنة ، ولا يلزم إلا بالنذر ، لكن اختلف الفقهاء في مرتبة هذه السنية .
فقال الحنفية : إنه سنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان ، ومستحب فيما عدا ذلك . وفي المشهور عند المالكية ، أنه مندوب مؤكد وليس بسنة .
وقال ابن عبد البر : إنه سنة في رمضان ومندوب في غيره .
وذهب الشافعية إلى أنه سنة مؤكدة ، في جميع الأوقات ، وفي العشر الأواخر من رمضان آكد ،« اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبا لليلة القدر ».
وقال الحنابلة : إنه سنة في كل وقت ، وآكده في رمضان ، وآكده في العشر الأخير منه . قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سنة ، لا يجب على الناس فرضا ، إلا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرا ، فيجب عليه .
ومما يدل على أنه سنة« فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته عليه تقربا إلى الله تعالى ، وطلبا لثوابه ، واعتكاف أزواجه معه وبعده ».
أما أن الاعتكاف غير واجب فلأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يلتزموا الاعتكاف كلهم ، وإن صح عن كثير من الصحابة فعله . وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أصحابه بالاعتكاف إلا من أراده ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « من كان اعتكف معي ، فليعتكف العشر الأواخر » - أي من شهر رمضان - ولو كان واجبا لما علقه بالإرادة . ويلزم الاعتكاف بالنذر ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « من نذر أن يطيع الله فليطعه » وعن عمر رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله : إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ،« فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك » .

اعتكاف المرأة :
 يصح اعتكاف المرأة باتفاق الفقهاء بالشروط المتقدمة ، ويشترط للمتزوجة أن يأذن لها زوجها ، لأنها لا ينبغي لها الاعتكاف إلا بإذنه - أي يصح من غير إذنه مع الإثم في الافتيات عليه - فإن أذن لها الزوج بالاعتكاف واجبا أو نفلا ، فلا ينبغي له أن يطأها ، فإن منعها زوجها بعد إذنه لها لا يصح منعه . هذا قول الحنفية .
وذهب المالكية إلى أنه لا يحق للزوج أن يمنع زوجته بعد إذنه لها بالاعتكاف المنذور ، سواء أدخلت في العبادة أم لم تدخل ، إلا إذا كان النذر مطلقا غير مقيد بأيام معينة ، فإن للزوج حينئذ أن يمنع زوجته من الاعتكاف حتى ولو دخلت في العبادة ، ومن باب أولى ما إذا نذرت بغير إذنه معينا أو غير معين .
أما إذا أذن لها في الاعتكاف بدون نذر ، فلا يقطعه عليها إن دخلت في الاعتكاف ، فإن لم تدخل فيه كان له منعها . والاعتكاف للمرأة مكروه تنزيها عند الحنفية ، وجعلوه نظير حضورها الجماعات .
وقال الشافعية : لا يجوز اعتكاف المرأة إلا بإذن زوجها ، لأن التمتع بالزوجة من حق الزوج . وحقه على الفور بخلاف الاعتكاف . نعم إن لم تفوت الزوجة على زوجها منفعة ، كأن حضرت المسجد بإذنه ، فنوت الاعتكاف فإنه يجوز . ويكره عندهم اعتكاف المرأة الجميلة ذات الهيئة قياسا على خروجها لصلاة الجماعة .

وللزوج إخراج زوجته من الاعتكاف المسنون سواء أكان الاعتكاف بإذنه أم لا ، واستدل البهوتي الحنبلي بحديث : « لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوما من غير رمضان إلا بإذنه » ، وقال : وضرر الاعتكاف أعظم . وكذا يجوز للزوج إخراجها من الاعتكاف المنذور إلا إذا أذن لها بالاعتكاف وشرعت فيه ، سواء أكان زمن الاعتكاف معينا أم كان متتابعا أم لا . أو إذا كان الإذن أو الشروع في زمن الاعتكاف المعين أو أذن في الشروع فيه فقط وكان الاعتكاف متتابعا ، وذلك لإذن الزوج بالشروع مباشرة أو بواسطة ، لأن الإذن في النذر المعين إذن في الشروع فيه ، والمعين لا يجوز تأخيره ، والمتتابع لا يجوز الخروج منه ، لما فيه من إبطال العبادة الواجبة بلا عذر .
والحنابلة كالشافعية فيما تقدم ، إلا في مسألة اعتكاف المرأة الجميلة ، فلم يذكروا أنه مكروه . وإذا اعتكفت المرأة استحب لها أن تستتر بخباء ونحوه ،« لفعل عائشة وحفصة وزينب في عهده صلى الله عليه وسلم » وتجعل خباءها في مكان لا يصلي فيه الرجال ، لأنه أبعد في التحفظ لها . نقل أبو داود عن أحمد قوله : « يعتكفن في المسجد ، ويضرب لهن فيه بالخيم » .
ولا بأس أن يستتر الرجال أيضا ،« لفعله صلى الله عليه وسلم »،ولأنه أخفى لعملهم . ونقل إبراهيم : لا . إلا لبرد شديد .

مكان الاعتكاف للرجل :
 أجمع الفقهاء على أنه لا يصح اعتكاف الرجل والخنثى إلا في مسجد ، لقوله تعالى : { وأنتم عاكفون في المساجد } وللاتباع ،« لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا في المسجد ».
واتفقوا على أن المساجد الثلاثة أفضل من غيرها ، والمسجد الحرام أفضل ، ثم المسجد النبوي ، ثم المسجد الأقصى .
واتفقوا على أن المسجد الجامع يصح فيه الاعتكاف ، وهو أولى من غيره بعد المساجد الثلاثة ، ويجب الاعتكاف فيه إذا نذر الاعتكاف مدة تصادفه فيها صلاة الجمعة ، لئلا يحتاج إلى الخروج وقت صلاة الجمعة ، إلا إذا اشترط الخروج لها عند الشافعية .
ثم اختلفوا في المساجد الأخرى التي يصح فيها الاعتكاف .

فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد جماعة . وعن أبي حنيفة أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلوات الخمس ، لأن الاعتكاف عبادة انتظار الصلاة ، فيختص بمكان يصلى فيه ، وصححه بعضهم . وقال أبو يوسف ومحمد : يصح في كل مسجد وصححه السروجي . وعن أبي يوسف أنه فرق بين الاعتكاف الواجب والمسنون ، فاشترط للاعتكاف الواجب مسجد الجماعة ، وأما النفل فيجوز في أي مسجد كان . ويعني الحنفية بمسجد الجماعة ما له إمام ومؤذن ، أديت فيه الصلوات الخمس أو لا . واشترط الحنابلة لصحة الاعتكاف في المسجد أن تقام الجماعة في زمن الاعتكاف الذي هو فيه ، ولا يضر عدم إقامتها في الوقت الذي لا يعتكف فيه ، وخرج من ذلك المرأة والمعذور والصبي ومن هو في قرية لا يصلي فيها غيره ، لأن الممنوع ترك الجماعة الواجبة ، وهي منتفية هنا . والمذهب عند المالكية والشافعية أنه يصح الاعتكاف في أي مسجد كان .

 مكان اعتكاف المرأة :
 اختلفوا في مكان اعتكاف المرأة :
فذهب الجمهور والشافعي في المذهب الجديد إلى أنها كالرجل لا يصح اعتكافها إلا في المسجد ، وعلى هذا فلا يصح اعتكافها في مسجد بيتها ، لما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن امرأة جعلت عليها ( أي نذرت ) أن تعتكف في مسجد بيتها ، فقال : " بدعة ، وأبغض الأعمال إلى الله البدع ". فلا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة . ولأن مسجد البيت ليس بمسجد حقيقة ولا حكما ، فيجوز تبديله ، ونوم الجنب فيه ، وكذلك لو جاز لفعلته أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن - ولو مرة تبيينا للجواز .

وفي المذهب القديم للشافعي : أنه يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ، لأنه مكان صلاتها . قال النووي : قد أنكر القاضي أبو الطيب وجماعة هذا القديم . وقالوا : لا يجوز في مسجد بيتها قولا واحدا وغلطوا من قال : فيه قولان .
وذهب الحنفية إلى جواز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ، لأنه هو الموضع لصلاتها ، فيتحقق انتظارها فيه ، ولو اعتكفت في مسجد الجماعة جاز مع الكراهة التنزيهية ، والبيت أفضل من مسجد حيها ، ومسجد الحي أفضل لها من المسجد الأعظم .
وليس للمرأة أن تعتكف في غير موضع صلاتها من بيتها . وإن لم يكن لها في البيت مكان متخذ للصلاة لا يجوز لها الاعتكاف في بيتها ، وليس لها أن تخرج من بيتها الذي اعتكفت فيه اعتكافا واجبا عليها .