رقم الفتوى: 268

نص السؤال :

ماذا يقول علماء أهل السنة فيمن يرى بأن التوسل بالنبي عليه الصلاة والسلام بعد وفاته نوع من أنواع الشرك؟

الجواب :

قال العلامة المحدث السمنودي -رحمه الله-:
منع بعضهم سؤال الله تعالى والتوسل والتشفع إليه سبحانه وتعالى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وبغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين مطلقاً مدعين أن ذلك -إن لم يكن من الشرك بالله تعالى- يؤدي إليه، وتخيلوا أن منع ذلك إنما هو لأجل المحافظة على التوحيد، وأنكروا جواز الاستغاثة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- كذا بغيره ممن ذكروا، بل تجاوزوا الحد فزعموا أن الاستغاثة بهم وندائهم عند ذلك شرك أكبر.

وتمسكوا بأمور منها قولهم:إنا قد رأينا بعض العامة يأتون فيما ذكر بألفاظ توهم أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياء وميتين أشياء جرت العادة بأنها لا تطلب إلا من الله تعالى، ويقولون للنبي أو الولي: افعل لي كذا وكذا، وهذا النبي أو الولي نفعني عند التوسل به مع أن الميت لا يقدر على شيء أصلاً، إذ لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم بل يصير تراباً، وأنهم ربما يعتقدون الولاية في أشخاص لم يتصفوا بها، بل اتصفوا بالتخليط وعدم الاستقامة، وينسبون لهم كرامات وخوارق عادات وأحوال ومقامات وليسوا بأهل لها، ولم يوجد فيهم شيء منها ول يمكن منع العامة من التوسعات التي ابتدعوها في الدين إلا بمنع التوسل، وما ذكر معه دفعاً للإيهام المذكور وسداً للذريعة، وإن كنا نعلم أن العامة لا يعتقدون تأثيراً ولا نفعاً ولا ضراً إلا لله تعالى، ولا يقصدون بالتوسل ونحوه إلا التبرك، ولو اسندوا للأولياء شيئاً لا يعتقدون فيهم تأثيراً.

ومنها قولهم أن الله قد نهى المؤمنين عن مخاطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثل ما يخاطب به بعضهم بعضا، كأن ينادوه باسمه في قوله تعالى: ((لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً))، وقياساً على ذلك وقياساً على ذلك يقال لا ينبغي أن يطلب من غير الله تعالى كالأنبياء والصالحين الأشياء التي جرت العادة بأنها لا تطلب إلا من الله تعالى، لئلا تحصل المساواة بين الله تعالى وخلقه بحسب الظاهر، وإن كان الطلب من الله تعالى على أنه الموجد للشيء والمؤثر فيه، ومن غيره على أنه سبب عادي لكنه يوهم التأثير، فالمنع من ذلك الطلب لدفع هذا الإيهام.

ومنها قولهم أنه لم يأت أحد من الصحابة ولا من سلف الأمة وخلفها إلى قبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ويطلب منه شيئاً مع أنه كانت تصيبهم نوائب شديدة، ومن يدعي ذلك فعليه البيان.

ومنها قولهم أن المتوسلين بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وكذا بغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين مثل المشركين الذين كانوا في اعتذارهم عن عبادتهم للأصنام: ((ما نعبدهم إلا ليقربونا من الله زلفى))، ((هؤلاء شفعاؤنا عند الله))، لأن المشركين ما اعتقدوا في الأصنام التأثير وأنها تخلق شيئاً بل كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله تعالى بدليل: ((ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى تؤفكون))، ونحوه فما حكم الله تعالى عليهم بالكفر والإشراك إلا لقولهم المذكور فهؤلاء مثلهم.

وكل هذا الذي زعموه باطل، وما تمسكوا به عاطل لا ينتج لهم شيئاً من مرادهم، وبيان ذلك أن التوسل قد صح صدوره من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وجرى عليه أصحابه وسلف الأمة وخلفها بصيغ كثيرة تعلم مما يلي:

فأما صدوره من النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد صح في أحاديث كثيرة منها ما في أدعية الصباح والمساء وهو: أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك أن تقبلني في هذا الغداة أو في هذه العشية وأن تجيرني من النار بقدرتك.

وهذا توسل لا شك فيه وهو بعض حديث طويل مذكور في حصن ابن الجزري وغيره، رواه الطبراني في الكبير، والدعاء له عن أبي أمامة الباهلي -رضي الله تعالى عنه-، وصححه الحافظ الكبير عبدالغني المقدسي مؤلف الكمال في أسماء الرجال كما نقله عنه ملاّ علي في شرح الحصن، وليس فيه طعن أصلاً.

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم-، يدعو به وكذلك الصحابة ومن بعدهم رضي الله تعالى عنهم، فانظر قوله: "بحق السائلين عليك"، فإن فيه التوسل بحق كل عبد مؤمن.

ومنها ما في دعاء الخارج إلى الصلاة المروي عند ابن ماجة بسند حسن صحيح كما قاله السيد مرتضي الزبيدي وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا إليك، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يا أرحم الراحمين يا أكرم الأكرمين، أقبل الله عليه بوجهه -أي بمزيد إكرامه وإنعامه-، واستغفر له سبعون ألف ملك).

وهذا الحديث قد أخرجه أيضاً الإمام أحمد، ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد، والبيهقي في كتاب الدعوات، وأبو نعيم في عمل اليوم والليلة، والطبراني في كتاب الدعاء، كلهم عن فضل ابن مرزوق عن عطية العوفي عن سعيد الخدري المذكور رضي الله عنه قال السيد مرتضى وعطية العوفي صدوق في نفسه حسَّن له الترمذي عدة أحاديث بعضها من أفراده، وإنما ضعف من قبل التشيع ومن قبل التدليس قال وقد روي نحو هذا الحديث عن بلال رضي الله تعالى عنه أي من غير طريق العوفي المذكور، فرواه الإمام أبو بكر بن السني أي بإسناد صحيح ولفظه: حدثنا محمد بن عبدالله البغوي حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا علي بن ثابت الجزري عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما عن بلال رضي الله تعالى عنه مؤذن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج إلى الصلاة قال: (بسم الله آمنت بالله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق مخرجي هذا، فإني لم أخرج بطراً ولا أشراً ولا رياء ولا سمعة، خرجت ابتغاء مرضاتك واتقاء سخطك، أسألك أن تعيذني من النار وتدخلني الجنة)، وأخرجه الدارقطني في الأفراد من هذا الوجه، ولكنه قال: تفرد به الوازع وقد قال أبو حاتم وغيره: أنه متروك. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها غير محفوظة.أهـ

أقول لكن قد علمت أن سنده حسن صحيح عند ابن ماجه وابن السني، وأن راويه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه وهو العوفي قد حسَّن له الترمذي، وأنه لم ينفرد به، والترمذي أمام حافظ ثقة نقَّاد وحكمه على الحديث عند أهله معتبر جداً، وقد ذكر السيد مرتضي في ترجمة الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه من شرح الإحياء أنه روي عن العوفي المذكور فهو من جملة شيوخ أبي حنيفة الثقات المعتبرين، كما حكى ذلك غير واحد من أجلة المحدثين، كالنووي في تهذيب الأسماء واللغات، والحافظ المنذري في تهذيب الكمال، وشيخ الإسلام العسقلاني، وأيضاً قد ذكر هذا الحديث الجلال السيوطي في الجامع الكبير وصاحب الإقناع في متنه، وابن الجزري في الحصن مع التزام أن يكون جميع ما فيه صحيحاً، والنووي في الأذكار وذكر أيضاً كثير من الأئمة في كتبهم عند ذكر الدعاء المسنون عند الخروج إلى الصلاة، حتى قال بعضهم أنه قد صح في أحاديث كثيرة أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يأمر أصحابه أن يدعوا بهذا الدعاء، وأنه ما من أحد من السلف إلا وكان يدعوا به عند خروجه إلى الصلاة، واحتج به العلماء والموثوق بهم على جواز التوسل، وحينئذ فهو حجة عليه بلا شك فليعلم، ومحل الاستدلال قوله: ( أسألك بحق السائلين عليك وبحق مخرجي هذا وبحق ممشاي)، فعلم من هذا كله أن التوسل صدر من النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمر أصحابه أن يقولوه، ولم يزل السلف من التابعين ومن بعدهم يستعملون هذا الدعاء عند خروجهم إلى الصلاة ولم ينكر عليه أحد في الدعاء به.

ومنها أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في بعض أدعيته بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي رواه الطبراني بسند جيد كما قال العلامة المحقق في الجوهر المنظم والسيد السهودي والقسطلاني، وهو توسل به وبالأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام بلا شك فكيف تمنع أمته منه، وهذا اللفظ قطعه من حديث طويل رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وابن حبان، والحاكم وصححوه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: لما ماتت فاطنة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكانت ربت النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجلس عند رأسها وقال: (رحمك الله يا أمي بعد أمي)، وذكر ثناءه عليها وتكفينها ببردته وأمر بحفر قبرها قال فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده وأخرج ترابه بيده فلما فرغ دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاضطجع فيه، ثم قال: (الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين).

وروى ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه مثل ذلك وكذا روى مثله ابن عبد البر عن ابن عباس رضي الله عنهما ورواه أبو نعيم في الحلية عن أنس رضي الله عنه ذكر ذلك كله الحافظ جلال الدين السيوطي في جامعه الكبير.

والمراد بالحق في هذه الأحاديث ما جعله الله تعالى على نفسه بفضله ورحمته من نحو إجابة السائلين وإثابة المطيعين، وذلك من أفعاله عز وجل كما في قوله تعالى: ((وكان حقا علينا نصر المؤمنين))، وكما في قوله تعالى ((وعداً علينا حقاً في التوراة والإنجيل القرآن))، وكما في الحديث الصحيح عند البخاري حق العباد على الله تعالى إذا أطاعوه أن لا يعذبهم وكما في حديث أنس المروي في الصحيح أيضاّ أن حقاً على الله أن لا يرفع شيئاً من هذه الدنيا إلا وضعه لا الواجب، إذ لا يجب على الله تعالى شيء أو المراد بحقه -صلى الله عليه وسلم- وإخوانه النبيين وحرمتهم وتبعهم ومنزلتهم عند الله تعالى من تقربهم، والتفضل عليهم ما يليق بهم أو الحق الذي جعله الله تعالى على الخلق من وجوب الإيمان بهم وتعظيمهم.

وقد ثبت بالنصوص المتقدمة ولا ندعي أن لأحد على الله تعالى حقاً غصباً عليه تعالى عن ذلك بل هو تفضل وتكرم كما تقرر، فالمعنى بهذا متفق عليه، ثم إن السؤال به -صلى الله عليه وسلم- وكذا وغيره من عباد الله الصالحين ليس سؤالاً لهم حتى يوجب اشتراكاً كما زعم الملحدون، وإنما هو سؤال الله تعالى بمن له عنده قدر عليٌّ ومرتبة رفيعة وجاه عظيم، فمن كرامتهم على ربهم أن لا يخيب السائل بهم،والمتوسل إليه بجاههم، خصوصاً السيد الأعظم نبينا الأكرم -صلى الله عليه وسلم-.

ويكفي في هوان منكر ذلك حرمانه إياه، وإلى توسل سيدنا آدم عليه السلام أشار الإمام مالك رضي الله عنه للخليفة المنصور، وذلك أنه لما حج المنصور وزار قبر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- سأل الإمام مالكاً رضي الله تعالى عنه وهو في المسجد النبوي في جم غفير من الناس، فقال لمالك : يا أبا عبدالله أستقبل القبلة وأدعو؟ أم أستقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأدعو؟ فقال له الإمام مالك: ولِما تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى، بل استقبله واستشفع به -أي اطلب منه الشفاعة لأن السين والتاء للطلب- فيشفّعه الله فيك قال الله تعالى: ((ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما)). ذكره القاضي عياض في الشفاء وساقه بإسناد صحيح لا مطعن فيه أصلاً، وذكره الإمام السبكي في شفاء السقام ، والسيد السمهودي في خلاصة الوفاء، والحافظ القسطلاني في المواهب، والعلامة المحقق في الجوهر المنظم، وذكره كثير من أرباب المناسك في آداب الزيارة.

فدعوى الشيخ الفاسي في شرح دلائل الجزولي أنه قد روى عن مالك لا يتوسل إلى الله تعالى بمخلوق أصلاً باطلة، لأن هذه الرواية لم تعرف عن مالك أصلاً ولم ينقلها عند أحد من فقهاء مذهبه وهم أدرى به، فلو كانت هذه الرواية أخرى له لبينوها، ولكان المحرومون أسرعوا إلى التعلق بها فاحذر ذلك.

قال العلامة المحقق في كتابه المذكور: وإنكار ابن تيمية لهذه الحكاية عن مالك حتى لا يرد عليه إنكاره التوسل والتشفع به -صلى الله عليه وآله وسلم- من تهوراته، كيف وقد جاء عن مالك بالسند الصحيح الذي لا مطعن فيه.اهـ

وقال الشهاب في نسيم الرياض تحت هذه القصة المذكورة: وفي هذا رد على ما قاله ابن تيمية في منسكه من أن استقبال القبر الشريف في الدعاء عند الزيارة أمر منكر لم يقل به أحد، ولم يرو إلا في حكاية مفتراة على الإمام مالك قال: يعني هذه القصة التي أوردها المصنف رحمه الله تعالى، ولله دره حيث أوردها بسند صحيح وذكر أنه تلقاها عن عدة ثقات من مشايخه فقوله أنها مفتراة مجازفة، وقوله لم يقل به أحد ولم يرو باطل، فإن مذهب مالك وأحمد والشافعي رضي الله تعالى عنهم: استحباب استقبال القبر الشريف في السلام والدعاء، وهو مسطر في كتبهم، وصرح به النووي في أذكاره وإيضاحه.

وقال العلامة الحافظ الزرقاني في شرحه على المواهب: روى هذه القصة ابن فهر بإسناد جيد، ورواها القاضي عياض في الشفاء بإسناد صحيح رجاله ثقات ليس في إسنادها وضاع وكذاب.اهـ، يريد بذلك الرد على من لم يصدق رواية ذلك عن الإمام مالك وهو ابن تيمية الذي نسب في منسكه له كراهية استقبال القبر الشريف في حالة الدعاء.