رقم الفتوى: 557

نص السؤال :

ما معنى الحديث الضعيف والحديث الموضوع والحديث الصحيح ؟ وهل معنى الحديث الضعيف والموضوع أن النبي صلى الله علية وسلم لم يرويهما ؟ أم ماذا ؟؟ ونشكر فضيلتكم على أجوبتكم الغالية النفيسة .

الجواب :

أ- الحديث الصحيح.

وهو ما اتصل سنده بنقل العدل، الضابط عن مثله ولم يكن شاذاً ولا مُعللاً، وقد اشتمل هذا التعريف على شروط الحديث الصحيح، وهي خمسة نوضحها فيما يلي:

أولاً: اتصال السند: وهو أن يكون كل واحد من رواة الحديث قد سمعه ممن فوقه.

ثانيا: عدالة رواته: والعدالة ملكة تحمل صاحبها على التقوى، وتحجزه عن المعاصي والكذب وعما يخل بالمروءة، والمراد بالمروءة عدم مخالفة العرف الصحيح.

ثالثا: الضبط: وهو أن يحفظ كل واحد من الرواة الحديث إما في صدره وإما في كتابه ثم يستحضره عند الأداء.

رابعا: أن لا يكون الحديث شاذاً، والشاذ هو ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو أقوى منه.

خامسا: أن لا يكون الحديث معللاً، والمعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة خفية تقدح في صحته والظاهر السلامة منها.

قال الإمام المحدث الفقيه الولي الصالح النووي رحمه الله :-

 
وإذا قيل في حديث: إنه صحيح فمعناه ما ذكرنا، ولا يلزم أن يكون مقطوعا به في نفس الأمر وكذلك إذا قيل: إنه غير صحيح، فمعناه لم يصح إسناده على هذا الوجه المُعتبر، لا أنه كذب في نفس الأمر، وتتفاوت درجات الصحيح بحسب قوة شروطه،
وقال الإمام الفقيه المحدث الأصولي ابن دقيق العيد - رحمه الله -: لو قيل في التعريف السابق:
الحديث الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسناً، لأن من لا يشترط مثل هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف.

ب - الحديث الحسن .

قال الإمام المحدث الفقيه اللغوي  أبو سلمان الخطابي الشافعي  رحمه الله تعالى في تعريفه:


الحديث عند أهله ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف، فالحسن ما عُرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء وتستعمله عامة الفقهاء، وقال الإمام الكبير أبو عيسى الترمذي رحمه الله: الحسن الذي لا يكون في إسناده من يُتهم ولا يكون حديثاً شاذاً ويُروى من غير وجه نحوه، وقال ابن الجوزي رحمه الله : الحديث الذي فيه ضعف قريب مُحتمل هو الحسن ويصلح للعمل به، قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله: وكل هذا مستبهم.

وقد اتضح لي من كلام الأئمة أن الحسن قسمان:


أحدهما: أنه الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته وليس مُغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا ظهر فيه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مُفسق، ويكون متن الحديث قد عُرف بأن رُوي مثله أو نحوه من وجه آخر.

القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة ولم يبلغ درجة رجال الصحيح لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، إلا أنه يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به منكراً، ولابد في القسمين من سلامته من الشذوذ والتعليل، والله أعلم.


قال الإمام النووي رحمه الله: الحسن وإن كان دون الصحيح على ما تقدم من حديهما فهو كالصحيح في أنه يُحتج به، ولهذا لم تُفرده طائفة من أهل الحديث، بل جعلوه مندرجا في نوع الصحيح وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبدالله في تصرفاته، وفي تسمية كتاب الترمذي "الجامع الصحيح" وأطلق الخطيب أبو بكر الحافظ البغدادي اسم "الصحيح" على كتاب الترمذي والنسائي.

جـ - الضعيف.

وهو ما لم يجتمع فيه شروط الصحيح ولا شروط الحسن المتقدمة، وأطنب  الإمام المحدث المتكلم أبو حاتم بن حبان في تقسيمه فبلغ به خمسين قسماً إلا واحداً، وما ذكرناه ضابط جامع، فلا حاجة إلى تنويعه،
وتتفاوت درجاته في الضعف بحسب بُعده من شروط الصحيح كما اختلف درجات الصحيح، ثم منه ماله لقب خاص، كالموضوع والمقلوب والشاذ والمعلل والمضطرب والمرسل والمنقطع والمعضل.

د - الموضوع .

قال الإمام النووي رحمه الله: ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقرونا ببيان وضعه بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة الني يُحتمل صدقها في الباطن، فإنه يجوز روايتها في الترغيب والترهيب.


ويُعرف الوضع بإقرار واضعه، أو ما يتنزل منزلة إقراره، وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي، فقد وُضعت أحاديث يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها.


والواضعون أصناف: أعظمهم ضررا قوم منسوبون إلى الزهد وضعوا الحديث احتسابا في زعمهم الباطل فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة بهم، وقد ذهبت "الكرامية" الطائفة المبتدعة إلى جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، وهو خلاف إجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع، ووضعت الزنادقة أيضا جُملا، ثم نهضت جهابذة الحديث رضي الله عنهم فبينوا أمرها ولله الحمد.


ثم إن الواضع ربما صنع كلاما لنفسه فرواه مسنداً، وربما أخذ كلام بعض الحكماء فرواه عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وربما غلط إنسان فوقع في شبه الوضع من غير تعمد.

هـ - التفريق بين الضعيف والموضوع.

ومما سبق يتبين لنا أن الحديث الضعيف يختلف عن الحديث الموضوع، فهو أعم من الموضوع، الذي هو الكذب ويشمل الضعيف غيره مما قلت درجة عدالة أو ضبط راويه، ولا يعني أنه ليس بحديث، بل لو جاء من طرق أخرى - بشروط مذكورة في كتب المصطلح - قد يرتفع الضعيف إلى الحسن لغيره، أو إلى الصحيح لغيره - كما بين العلماء -.


ومن المجازفة ما قام بعض المعاصرين من جمع الأحاديث الضعيفة مع الموضوعة والحكم عليها بحكم واحد - فنسأل الله العافية -.

و - العمل بالحديث الضعيف .

قال العلامة المحدث الفقيه عبدالحي اللكنوي الحنفي  - رحمه الله -:


والذي يظهر بعد التأمل الصادق، هو قبول الضعيف في ثبوت الاستحباب وجوازه، فإذا دل حديث ضعيف على استحباب شيء أو جوازه، ولم يدل دليل آخر صحيح عليه، وليس هناك ما يُعارضه ويُرجح عليه، قُبل ذلك الحديث وجاز العمل بما أفاده والقول باستحباب ما دل عليه أو جوزاه، غاية ما في الباب أن يكون مثل هذا الاستحباب والجواز أدون رتبة من الاستحباب والجواز الثابت بالأحاديث الصحيحة والحسنة ويُشترط قبوله بشروط:

أحدهما: ما أشرنا إليه من فقدان دليل آخر أقوى منه معارضا له، فإن دل حديث صحيح أو حسن، على كراهة عمل أو حُرمته والضعيف على استحبابه وجوازه، فالعمل يكون بالأقوى، والقول بمُفاده أحرى.

وثانيهما: أن لا يكون الحديث شديد الضعف ، بأن تفرد بروايته شديد الضعف كالكذاب وفاحش الخطأ والمغفل وغير ذلك، أو كثرت طُرقُه، لكن لم يخل طريق من طرقه عن شدة الضعف، وذلك لأن كون السند شديد الضعف مع عدم ما يُجبر به نقصانه، يجعله في حكم العدم ويُقربه إلى الموضوع والمخترع الذي لا يجوز العمل به بحال.

ثالثهما: أن يكون ما ثبت به داخلا تحت أصل كلي من الأصول الشرعية غير مخالف للقواعد الدينية، لئلا يلزم إثبات ما لم يثبت شرعا به، فإنه إذا كان ما دل عليه داخلا في الأصول الشرعية، غير مناقض لها ، فنفس جوازه ثابت بها، والحديث الضعيف الدال عليه يكون مؤكدا له، وكذا الاستحباب فإن الجائزات تصير بحُسن النية عبادة، فكيف إذا وُجد ما فيه شُبهة ثبوت الاستحباب.

رابعها: أن لا يعتقد العامل به ثبوته بل الخروج عن العُهدة بيقين، فإنه إن كان صحيحاً في نفس الأمر فذاك، وإلا لم يترتب على العمل به فساد شرعي، وقس عليه إذا دل الحديث الضعيف على كراهة عمل، لم يدل على استحبابه دليل آخر، فيؤخذ به ويُعمل بمفاده احتياطاً، فإن ترك المكروه مستحب ، وترك المباح لا بأس فيه شرعا.

وبهذا كله يظهر لك دفع الإشكال الذي تصدى للجواب عنه الدواني والخفاجي ، وسلك كل منهما مسلما مغايرا لمسلك الآخر.



وخلاصة الكلام، الرافع للأوهام، هو أن ثبوت الاستحباب أو الكراهة -التي هي في قوة الاستحباب- أو الجواز بالحديث الضعيف مع الشروط المتقدمة: لا يُنافي قولهم: إنه لا يثبت الأحكام الشرعية، فإن الحكم باستحباب شيء دل عليه الضعيف أو كراهته: احتياط والحكم بجواز شيء دل عليه تأكيد لما ثبت بدلائل أخر، فلا يلزم منه ثبوت شيء من الأحكام في نفس الأمر، ومن حيث الاعتقاد. نعم لو لم تُلاحظ الشروط المتقدمة، لزم الإشكال البتة.


ولعلك تتفطن من هذا البيان الصريح والتبيان الرفيع: دفع ما يُتوهم من صنيع الفقهاء والمحدثين، حيث يُثبتون الاستحباب ونحوه بالأحاديث الضعيفة في مواضع كثيرة، ويستنكفون عنه في مواضع كثيرة، وهل هذا إلا تعارض وتساقط؟



وجه الدفع أن المواضيع التي أثبتوا فيها الاستحباب بالضعيفة، هي ما لم يطلعوا على شدة الضعف في أحاديثها، وعلموا أن ما أفادتها داخل تحت أصول شريعة يُعتمد عليها، فاعتبروا بها، والتي استنكفوا فيها عن ذلك وعللوا بكون الأحاديث ضعيفة هي التي لم تدخل الأعمال الثابتة بها تحت الأصول الشرعية، أو وجدوا في تلك الأحاديث ضعفا شديدا، فأسقطوها عن الاعتبار بالكلية.


( لا في صفات الله ) فإن وُجد حديث ضعيف دل على صفة من صفات الله تعالى، ولم يثبت ذلك بدليل معتبر، لم يُعتبر به، فإن صفات الله وأسمائه لا يُجترأ على القول بها بدون دلالة دليل مُعتمد، لأنها من باب العقائد لا من باب الأعمال، ويلتحق بها جميع العقائد الدينية.


قال العلامة الشيخ عبدالفتاح أبوغدة - رحمه الله -:


هذا وقد وقع الاستدلال بالضعيف والمناكير للصفات من غير واحد من العلماء الكبار ولذا حذر الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية من الوقوع في هذه الهُوة السحيقة، وأنكر على من تورط في هذه الورطة العميقة إنكاراً شديداً، وقال "إن ذلك المسلك قد يكون من البدع والضلالات التي تُوجب غليظ العقوبات"، وكرر هذا التحذير والإنكار في مواضع من كتبه، أكتفي بنقل كلامه من كتاب واحد منها، قال رحمه الله -تعالى- ما يلي:



وإذا قابلنا بين الطائفتين -أهل الحديث وأهل الكلام- فالذي يعيب بعض أهل الحديث وأهل الجماعة بحشو القول ، وإنما يعيبهم بقلة المعرفة أو بقلة الفهم .

أما الأول: فبأنهم يحتجون بأحاديث ضعيفة وموضوعة، أو بآثار لا تصلح للاحتجاج.

وأما الثاني: فبأنهم لا يفهمون معنى الأحاديث الصحيحة، بل قد يقولون القولين المتناقضين ولا يهتدون للخروج من ذلك، والأمر راجع إلى شيئين:

إما رواية أقوال غير معتمدة يظن أنها معتمدة، كالأحاديث الموضوعة، وإما أقوال معتمدة لكنهم لا يفهمونها، إذ كان اتباع الحديث يحتاج أولا إلى صحة الحديث.


وثانياً إلى فهم معناه ، كاتباع القرآن، والجهل يدخل عليهم من ترك إحدى المقدمتين، ومن عابهم من الناس فإنما يعيبهم بهذا.

 

ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم ، يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الأصول والفروع ، وبآثار مفتعلة ، وحكايات غير صحيحة ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه ، وربما تأولوه على غير تأويله ووضعوه على غير موضعه .

ثم إنهم بهذا المنقول الضعيف والمعقول السخيف، قد يُكفرون ويُضللون ويُبدعون أقواما من أعيان الأمة ويُجهلونهم ففي بعضهم من التفريط في الحق والتعدي على الخلق ما قد يكون خطأ مغفورا وقد يكون منكرا من القول وزورا، وقد يكون من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات، فهذا لا ينكره إلا جاهل أو ظالم.


قال العبد الضعيف: ومما يؤسف له أن كثيرا من أتباع ابن تيمية -رحمه الله- وقعوا فيما حذر منه إمامهم المتبوع، ويمكن كشف ذلك بالرجوع إلى كتبهم -فنسأل العفو والعافية-.