رقم الفتوى: 505

نص السؤال :

ما معنى ناقصات عقل ودين؟

الجواب :

هذه المسألة يكثر اللغط حولها، ويحاول أعداء الإسلام أن يطعنوا في الإسلام من خلالها، ويصوروا أن الإسلام يهين المرأة، ولذا رأيت يحسن التوسع فيها نوعاً ما، ورأيت من أحسن من كتب فيها الأستاذ عبد الحليم أبو شقة –رحمه الله-، لذا حاولت اختصار كلامه، واستدراك بعض الأمور التي ندت عنه- فجل من لا يخطيء-:-

جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- أنه قال: خرج رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- في أضحى أو في فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال:"يا معشر النساء...ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن". قلن:وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال:"أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ "قلن:بلى. قال:"فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟" قلن:بلى. قال:"فذلك من نقصان دينها".

سنعرض لهذا الحديث من ثلاث زوايا:

الزاوية الأولى: الدلالة العامة لقوله –صلى الله عليه وسلم-:"ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن":

النص يحتاج إلى دراسة وتأمل سواء من ناحية المناسبة التي قيل فيها أو من ناحية من وجه إليهن الخطاب أو من حيث الصياغة التي صيغ بها الخطاب، وذلك حتى نتبين دلالته على معالم شخصية المرأة. فمن ناحية المناسبة فقد قيل النص خلال عظة للنساء في يوم عيد، فهل نتوقع من الرسول الكريم صاحب الخلق العظيم أن يغض من شأن النساء أو يحط من كرامتهن أو ينتقص من شخصيتهن في هذه المناسبة البهيجة!!

وأما من ناحية من وجه إليه الخطاب فقد كن جماعة من نساء المدينة، وأغلبهن من الأنصار اللاتي قال فيهن عمر بن الخطاب:(فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار)، وهذا يوضح لماذا قال الرسول الكريم:"ما رأيت أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن".

أما من حيث صياغة النص فليست صيغة تقرير قاعدة عامة أو حكم عام. وإنما هي أقرب إلى التعبير عن تعجب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من التناقض القائم في ظاهرة تغلب النساء –وفيهن ضعف- على الرجال ذوى الحزم. أي التعجب من حكمة الله!. كيف وضع القوة حيث فطنة الضعف وأخرج الضعف من مظنة القوة!

لذلك، نتساءل هل تحمل الصياغة معنى من معانى الملاطفة العامة للنساء خلال العظة النبوية؟ وهل تحمل تمهيداً لطيفاً لفقرة من فقرات العظة وكأنها تقول:أيتها النساء إذا كان الله قد منحكن القدرة على الذهاب بلب الرجل الحازم برغم ضعفكن فاتقين الله ولا تستعملنها إلا في الخير والمعروف.

وهكذا كانت كلمة "ناقصات عقل ودين" إنما جاءت مرة واحدة وفي مجال إثارة الانتباه والتمهيد اللطيف لعظة خاصة بالنساء، ولم تجيء قط مستقلة في صيغة تقريرية سواء أمام النساء أو أمام الرجال.

والزاوية الثانية: هي الدلالة الخاصة لقوله –صلى الله عليه وسلم-:"ناقصات عقل":

هناك عدة احتمالات للنقص العقلي، مثل:

(أ) نقص (فطري عام) أي في متوسط الذكاء .

(ب) نقص (فطري نوعي) أي في بعض القدرات العقلية الخاصة مثل، الاستدلال الحسابي والتخيل والإدراك.

(جـ) نقص (عرضي نوعي قصير الأجل) وهذا يطرأ على الفطرة مؤقتاً نتيجة ظرف عارض (مثل دورة الحيض أو مدة النفاس أم بعض فترات الحمل).

(د) نقص (عرضي نوعي طويل الأجل) وهذا يطرأ على الفطرة نتيجة ظروف معيشية خاصة كالانشغال بالحمل والولادة والرضاعة والحضانة، هذا مع الانحصار بين جدران البيت لا تكاد تغادره والانقطاع تماماً عن العالم الخارجي مما يؤدي إلى ضمور الوعي بمجالات الحياة وضعف الإدراك لقضايا المال وغيرها.

إن المثال الذي ضربه الرسول الكريم للنساء على نقص العقل يساعد على ترجيح النقص النوعي سواء أكان فطرياً أم عرضياً. وأياً كان مجال النقص فهو لا يخدش قواها العقلية وقدرتها على تحمل جميع مسئولياتها الأساسية. ومن هذه المسئوليات ما تختص به وهو حضانة الأطفال، وهذه ما كان الله لسندها إلا لإنسان سوي.

وما كان لنا نحن الرجال أن نأمن على أبنائنا وبناتنا في كنف إنسان عاجز مختل العقل والدين!!!

ومن المسئوليات ما تشارك فيه المرأة الرجل مثل الأمور الآتية:

(أ) المسئولية الإنسانية: أي تحمل الإنسان مسئولية عمله ومحاسبته عليها في الآخرة وهذه مقررة في الكتاب العزيز.

(ب) المسئولية الجنائية وتحمل العقوبات الجزائية في الدنيا عن السلوك المنحرف وهذه مقررة في الكتاب العزيز.

(جـ) المسئولية المدنية وحق التصرف في الأموال وعقد العقود والولاية على القصر وهذه يقرها عامة الفقهاء بأدلتها من الكتاب والسنة.

(د) مسئولية تولي القضاء في الأموال وهذه يقرها أبو حنيفة.

(هـ) مسئولية رواية السنة المبينة للكتاب، وهذه يجمع عليها علماء المسلمين.

وإذا كان النقص النوعي –أي الخلقي- هو الأرجح فالاحتمالات الثلاثة الأخيرة واردة ولا تعارض بينها بل ربما تبادلت التأثير. فمن حيث وجود النقص الفطري في بعض القدرات العقلية الخاصة مثل استيعاب قضايا المال والأرقام وهي القدرة المنصوص عليها في الآية الكريمة:{أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}البقرة-282.

فهذا النقص إن لم يكن فطرياً منذ الولادة ومميزاً للأنثى عن الذكر كما تتميز في بعض أعضاء البدن، فهو كسبي في مرحلة ما بعد البلوغ، بتأثير التطورات المتعلقة بأعضاء الجنس في مرحلة الزواج والأمومة، أي مع اكتمال دور أعضاء الجنس وما ينتج عنه من حمل وولادة وإرضاع، هذا من جانب، ومع اكتمال الحياة الاجتماعية المتميزة للمرأة من جانب آخر. ويشجعنا على هذا الرأي التفاعل المشاهد عادة بين الحياة البيولوجية والاجتماعية من ناحية والحياة العقلية من ناحية أخرى.

ومن مظاهر هذا التفاعل ما يقع في حالة شهادة المرأة كأن يغلب عليها الجانب العاطفي الانفعالي أو حيث تعتريها فترات حرجة (مثل فترة الحيض) أو حين يثقلها الحمل والإرضاع والحضانة، فضلاً عن رعاية البيت. ثم إن الحديث النبوي يشير إلى النقص الذي تتصف به المرأة ولكنه لا يحدد المرحلة، وكأن تحديد المرحلة متروك للجهد البشري والبحث العلمي الرصين.

على أنه ينبغي التنبه هنا إلى أمور ثلاثة:

أولها، أن النقص النوعي في إحدى القدرات الخاصة قد يقابله زيادة في قدرة أو قدرات أخرى.

وثانيها، أن النقص هنا يتعلق بالنساء على العموم وهذا لا يمنع وجود بعض نساء قد وهبهن الله قدرات عالية بل وخارقة أحياناًُ في نفس المجالات التي ينقص فيها مستوى عامة النساء كما لا يمنع أن يكون أولئك النسوة أفضل من كثير من الرجال.

يقول ابن تيمية:...فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص فرب حبشي أفضل عند الله من جمهور قريش.

ويقول في موضع آخر:...فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية، وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة.

وثالثها، إذا كان النقص النوعي الفطري أو العرضي نتيجة بعض وظائف الأعضاء مما كتبه الله على بنات آدم. وهو أمر صالح يعين على تحقيق كل من الرجل والمرأة دوره في الحياة، فإن الحياة الرتيبة المنعزلة وراء جدران البيت هو أمر خطر على حياة المرأة وحياة الأسرة وحياة المجتمع كله، إنه خطر يكاد يذهب بعقل المرأة كله، وتكاد تصبح معه كالسائمة لا تملك من أمرها شيئاً ولا تدري مما يجري حولها شيئاً.

فيضعف تبعاً لذلك دورها في تربية أبنائها وينعدم –تبعاً لذلك أيضاً- دورها في إنهاض مجتمعها بنشاط اجتماعي أو سياسي.

ونظراً إلى أن الحديث يشير إلى نقص الشهادة، فيحسن أن ننقل أقوال الفقهاء حول شهادة المرأة. فقد ورد في فتح الباري:(قال ابن المنذر: أجمع العلماء على القول بظاهر هذه الآية:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}البقرة-282، فأجازوا شهادة النساء مع الرجال.

وخص الجمهور ذلك بالديون والأموال وقالوا لا تجوز شهادتهن في الحدود والقصاص واختلفوا في النكاح والطلاق والنسب والولاء. فمنعها الجمهور وأجازها الكوفيون...واتفقوا على قبول شهادتهن مفردات فيما لا يطلع عليه الرجال كالحيض والولادة والاستهلال وعيوب النساء واختلفوا في الرضاع.

وورد في بداية المجتهد لابن رشد:(فالذي عليه الجمهور أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود...وقال أهل الظاهر: تقبل إذا كان معهن رجل وكان النساء أكثر من واحدة في كل شيء على ظاهر الآية. وقال أبو حنيفة: تقبل في الأموال وفيما عدا الحدود من أحكام الأبدان مثل الطلاق والرجعة والنكاح والعتق، ولا تقبل عند مالك في حكم من أحكام البدن...

وأما شهادة النساء مفردات أعنى النساء دون الرجال فهي مقبولة عند الجمهور في حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالباً، مثل الولادة والاستهلال وعيوب النساء ولا خلاف في شيء من هذا إلا في الرضاع.

وقال ابن القيم :...والمرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والديانة، إلا أنها لما خيف عليها السهو والنسيان قويت بمثلها، وذلك قد يجعلها أقوى من الرجل الواحد أو مثله، ولا ريب أن الظن المستفاد من [شهادة مثل أم الدرداء وأم عطية، أقوى من الظن المستفاد من رجل واحد] دونهما ودون أمثالهما.

وأخيراً نحسب أن الأولى بنا –ونحن في القرن الخامس عشر الهجري (والعشرين الميلادي)- أن نسهم في البحوث العلمية التي تجري لتحديد قدرات المرأة لنعرف بالضبط ما هو مجال النقص وما هي درجته وما هو زمن ظهوره وما هي نسبة وجوده بين النساء، ولنعرف أيضاً مجال الزيادة ودرجتها وزمن ظهورها وبذلك نخدم سنة رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- خدمة كبيرة. وكما خدمها أسلافنا بابتكار علم مصطلح الحديث لمعرفة الصحيح من الضعيف يمكن أن نخدمها نحن خدمة تناسب عصرنا، وذلك بإجراء بحوث علمية ميدانية تساعد في التحري عن دلالة بعض النصوص.

وعندها لا نكتفي بسوق مجموعة احتمالات حول الدلالة ثم الترجيح بينها ترجيحاً نظرياً يعتمد على تصورات ذاتية قاصرة وظنون، وإنما نقدم الدلالة التي يرجحها البحث العلمي الميداني وقد تكون هذه الدلالة مما لم يخطر على عقولنا في أثناء البحث النظري.

وإلى أن يقوم المسلمون ببحوث علمية رصينة للتعرف على الخصائص العقلية والنفسية لكل من الرجل والمرأة، أنقل فقرات من مرجع حديث في علم النفس لعلها تلقى بعض الضوء على هذا الموضوع:

*(الفروق بين الجنسين...تنطبق فقط على المجتمع الذي عملت فيه هذه البحوث تحت الظروف الخاصة بهذا المجتمع. وعلى ذلك فهي غير صالحة للتطبيق بوجه عام، ولكن مع ذلك، فلن نعدم وسيلة للاستفادة الجزئية ببعض ما جاء فيها).

*(الواقع أن أية مقارنة بين الجنسين تقوم فقط على النتائج الكلية لاختبارات الذكاء يحتمل أن تسفر عن نتائج غامضة، إذ أن الإناث يتفوقن في بعض القدرات، والذكور يتفوقون في قدرات أخرى.

وعلى ذلك، ففي أي اختبار للذكاء يتكون من أنواع غير متجانسة من الأسئلة، فإننا نتوقع أن التفوق في ناحية سيقابله ضعف في ناحية أخرى، وبذلك لا نخرج بنتيجة...وإن اختبارات الذكاء وحدها أي الدرجات الكلية التي يحصل عليها الأفراد في هذه الاختبارات لا تصلح بمفردها للحكم على الفروق بين الجنسين).

وهذا يفيد أن الفروق غير واضحة بين الرجل والمرأة في مستوى الذكاء العام وواضحة في القدرات الخاصة.

*(وقد يكون أجدى لنا أن نبحث الفروق الجنسية في القدرات الخاصة، ويمكننا الوقوف على بعض المعلومات المهمة من تحليل نتائج الاختبارات الفرعية التي يتكون منها عدد كبير من اختبارات الذكاء. وباتباع الطريقة الأولى أي المقارنة بين الجنسين في القدرات الخاصة، تجمعت كمية كبيرة من الحقائق في مختلف البحوث التي استخدمت مقاييس للقدرات اللفظية والعددية والمكانية وغير ذلك من القدرات المستقلة نسبياً...ومن الملاحظات المهمة في هذا الصدد أن الفروق بين الجنسين في هذه النواحي تتأخر في ظهورها عن القدرات الأخرى).

*(يتفوق الذكور في الاختبارات العددية التي تتطلب الاستدلال، ولا تظهر هذه الفروق بوضوح بين الجنسين إلا بعد انقضاء فترة في المرحلة الأولى للتعليم. وحينما طبق اختبار ستانفرد-بينيه، تفوق البنون بقدر له دلالته وكان ذلك واضحاً في مسائل الاستدلال الحسابي).

*(كثير من البحوث التي استخدم فيها مقاييس التقدير الذاتي للشخصية، والتي طبقت على مجموعة من الذكور والإناث الكبار، بينت أن هناك فروقاً بين الجنسين في النواحي الانفعالية...وكان من نتائج تطبيق (أحد البحوث) أنه تبين أن الرجال بالتأكيد أكثر ثباتاً من النساء، وأنهم أقل تعرضاً للعصاب...ومما يسترعي النظر أن اختبارات الاستعدادات والاتجاهات العصابية للأفراد الأصغر سناً، أثبتت أنه لا توجد فروق بين أفراد الجنسين الذين تقل أعمارهم عن الرابعة عشر...).

وهذا يفيد تأخر ظهور بعض الفروق إلى مرحلة ما بعد البلوغ سواء في بعض القدرات العقلية كالاستدلال الحسابي أو بعض سمات الشخصية كالجانب الانفعالي.

*(وقد تبين من هذا البحث أن الإناث حصلن على أعلى المتوسطات في كل من الميل الاجتماعي والجمالي والديني، في حين اتضح اهتمام الذكور بالميل الاقتصادي والنظري والسياسي. وطبيعي أن هذه النتائج يمكن تفسيرها في ضوء الظروف البيئية واختلاف التقاليد عند الجنسين وما ينتظره المجتمع من كل من الفريقين..).

*(ومن البحوث الشاملة في مشكلة الفروق بين الجنسين في سمات الشخصية، بحث ترمان ومايلز. وما وصلا إليه من مقياس (لتحليل الميول والاتجاهات).

ويتكون هذا المقياس من مجموعات من الأسئلة وضعت لكي تميز إلى أقصى حد ممكن بين الاتجاهات العامة في ردود كل من الرجال والنساء على الأسئلة، وبذلك فهي تعتبر مقياساً لمدى (الذكورة والأنوثة) وقد بني هذا المقياس على أساس دراسات طويلة ومستفيضة للغاية، وانتقيت الأسئلة انتقاء دقيقاً، بحيث شمل المقياس تلك الأسئلة التي بينت بوضوح تام أن هناك فروقاً بين أفراد الجنسين الذين يعيشون في المجتمع الأمريكي.

وقد جمعت البيانات من عدة مئات من الأفراد كان من بينهم أطفال بالمدارس الأولية والثانوية والمعاهد العليا والخريجين، وكان من بينهم أيضاً أشخاص كبار من غير المتعلمين ومن المتعلمين ومن أصحاب مختلف المهن، كما اشتملت العينات أيضاً على بعض مجموعات اختيرت من بين الأحداث المشردين، والكبار المنحرفين جنسياً، والرياضيين.

وقد كان لكل ذلك أثره في أن المقياس أثبت نجاحاً فائقاً في التمييز بين إجابات الرجال وإجابات النساء في المجتمع الأمريكي. وقد وجد في الوقت نفسه أن معامل الذكورة والأنوثة مرتبط إلى حد كبير بعوامل الخبرة المكتسبة من التربية والتعليم في المنزل أو في العمل...ووجد أن تأثير هذه العوامل أقوى من تأثير العوامل الجسمية.

كما اتضح أن النساء المتعلمات تعليماً عالياً، ولهن ثقافة متسعة يحصلن على درجات في هذه المقاييس أعلى من متوسط ما يحصل عليه النساء، وكأنهن بذلك يقتربن من الذكورة...ومعنى ذلك أن التربية والتعليم والخبرات التي يعانيها الأفراد تقرب بين وجهات النظر عندهم وتقلل من الفروق في الصفات المزاجية بين الجنسين...).

وهذا يفيد أن لظروف البيئة والعوامل الاجتماعية تأثيراً واضحاً ويزيد تأثيرها على تأثير العوامل الجسمية.

*(تبين أن هناك فروقاً كبيرة بين الجنسين في معظم الصفات الجسمية ومنها بناء الجسم بما في ذلك الهيكل العظمي، والتكوين العضلي العام سواء في ذلك العضلات الكبيرة او الدقيقة. وكذلك يختلف الجنسان في الوظائف الفسيولوجية والتكوين الكيميائي لبعض الإفرازات، وربما يمكن أن ترجع بعض الاختلافات السيكولوجية إلى تلك الفروق الجسمية...).

*(وهناك فرق آخر بين الجنسين في ثبات كثير من الوظائف الجسمية. فالذكور بصفة عامة، أقل تعرضاً من الإناث للتقلبات التي تعتري توازن البيئة العضوية الداخلية، أي أنهم أكثر ثباتاً، ولهم بعض الصفات المهمة التي تميزهم، ومنها الثبات النسبي لدرجة الحرارة، واتزان عمليتي الهدم البناء، وثبات النسبة بين المواد الحامضة والمواد القلوية في الدم، وكذلك مستوى السكر في الدم.

ومن المرجح أن شدة التذبذب في بعض الوظائف الجسمية عند الإناث بالقياس إلى الذكور قد تؤثر في نمو بعض الفروق وفي النواحي الانفعالية والسلوك العصابي وما أشبه ذلك...).

*(ومما لا شك فيه أن أساس الكثير من الفروق بين الجنسين يرجع إلى عوامل بيولوجية وحضارية مجتمعة...وإنه لمن المرجح أن العوامل البيولوجية وحدها تستطيع أن تسبب بعض الفروق في الصفات السيكولوجية، حتى ولو كانت جميع الشروط البيئية واحدة. وفي الوقت نفسه، يجب أن نضع نصب أعيينا أن هناك احتمالاً بأن العوامل البيئية ربما تؤثر تأثيراً مضاداً تماماً لتأثير العوامل البيولوجية...).

وهذه يفيد أن الفروق البدنية العضوية بين الجنسين كبيرة وأن لها تأثيراً أكيداً على النواحي النفسية ما لم تتدخل العوامل البيئية الاجتماعية تدخلاً قوياً فتحدث تأثيراً مضاداً.

وبعد أن نقلنا فقرات من ذلك المرجع الحديث في علم النفس، نعود للحديث الشريف.

والزاوية الثالثة التي سنعرض لها من الحديث النبوي هي الدلالة الخاصة لقوله –صلى الله عليه وآله وسلم-:

"ناقصات دين":

إن الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم- حين سئل عن نقص الدين ذكر أمراً محدداً وهو نقص الصلاة والصيام في أيام الحيض والنفاس، فهو من ناحية نقص جزئي محصور في العبادة بل في بعض الشعائر فحسب حيث تقوم الحائض والنفساء بأداء مناسك الحج جميعاً عدا الطواف بالبيت كما أنها لا تهجر ذكر الله، والدين القيم إيمان وتقوى تتبع الإيمان ثم عبادات ثم أخلاق ومعاملات.

وهو من ناحية ثانية نقص مؤقت أي ليس دائماً في حياة المرأة كلها وإنما يقع في فترات قصيرة ثم إن الحيض ينقطع مع الحمل وهو تسعة أشهر متصلة وينعدم مع سن اليأس، ومن ناحية ثالثة فإن النقص ليس من كسب المرأة واختيارها والمرأة المؤمنة قد تشعر بالأسى لحرمانها من الصلاة والصيام ولكنها ترضى وتصبر على أمر قد كتبه الله عليها فيثيبها الله على هذا الرضا وذاك الصبر.

وقد تقوم المرأة المؤمنة بنوعين من التعويض لما يفوتها من صلوات:

أولهما : تعويض عاجل بعبادات أخرى مثل الدعاء الضارع والذكر الخاشع فتستغفر الله وتسبحه وتحمده وتكبره، وهذا النوع من التعويض يذكرنا بما فعلته عائشة –رضي الله عنها-حين فرض الحجاب على أمهات المؤمنين فمنعن الجهاد وهو أفضل العمل، فكان حرصها على الحج هو التعويض عما فاتها من فريضة الجهاد.

فعن عائشة –رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد معكم؟ (وفي رواية: نرى الجهاد أفضل العمل) فقال: "لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور" فقالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم-.

وثانيهما: تعويض آجل وذلك بالإكثار من صلاة النفل بعد الطهر من الحيض وهذا النوع الآجل يذكرنا بحرص عائشة على تعويض العمرة التي فاتتها بسبب الحيض.

قالت عائشة: دخل على النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- وأنا أبكي فقال:"ما يبكيك؟" قلت:...منعت العمرة (وفي رواية: قالت يا رسول الله: أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر) قال:"وما شأنك؟" قلت: لا أصلي، قال:"لا يضرك أنت من بنات آدم كتب عليك ما كتب عليهن فكوني في حجتك عسى الله أن يرزقكها"، قالت: فكنت حتى نفرنا من منى فنزلنا المحصب فدعا عبد الرحمن فقال:"اخرج بأختك الحرم فلتهل بعمرة".

وعلى ذلك نرى أنفسنا ملزمين بالوقوف عند حدود تفسير رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- للنقص لا نتعداه. أما إذا تجاوزنا هذه الحدود فسنخبط في متاهة الاحتمالات وربما خضنا في الأوهام، ونكون عندها قد وقعنا في محظور اتباع المتشابه. والمتشابه كما يقع في القرآن يمكن أن يقع في السنة وقد حذرنا الله تعالى فقال في محكم التنزيل:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ}آل عمران-7.

وما الأحاديث الموضوعة والضعيفة، التي تنم عن الارتياب في عقل المرأة ودينها -ويكثر تداولها على الألسنة- إلا أثراً من آثار شطحات الوهم، وأصل هذا الوهم من بقايا جاهليات قديمة كان ينبغي أن يبرأ منه المسلمون، لكنه تثبت –مع الأسف- نتيجة تجاوز حدود تفسير الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم- لنقص العقل والدين.

وأدى ذلك إلى طغيان كثير من التصورات الباطلة عن شخصية المرأة.

ومن هذه الأحاديث الموضوعة:

-حديث:"لا تعلمونهن الكتابة ولا تسكنوهن الغرف".

-حديث:"طاعة المرأة ندامة".

-حديث:"لولا النساء لعبد الله حقاً حقاً".

-حديث:"شاوروهن وخالفوهن".

ومن الأحاديث والآثار الضعيفة:

-حديث:"هلكت الرجال حين أطاعت النساء".

-حديث:"أعدى عدوك زوجتك".

أثر موقوف عن عمر بن الخطاب: (خالفوا النساء فإن في خلافهن بركة).