رقم الفتوى: 4863

نص السؤال :

تفسير قوله تعالى"لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"؟

الجواب :

تفسير قوله تعالى " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ......"


قال الله تعالى { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً }

قال الإمام العارف الكبير السلمي رحمه الله :
قوله عز وعلا: { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } [الآية: 21].

قال محمد بن على الترمذى: الأسوة فى الرسول صلى الله عليه وسلم الاقتداء به والاتباع لسنته وترك مخالفته فى قول وفعل.

سمعت جدى يقول: سمعت أبا عثمان يقول: من أمَّرَ السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة ومن أمَّرَ الهوى على نفسه نطق بالبدعة لأن الله تعالى يقول:
وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ }
[النور: 54].

وقال العلامة المفسر إسماعيل حقي رحمه الله :
{ لقد كان لكم } ايها المؤمنون كما فى تفسير الجلالين وهو الظاهر من قوله فيما بعد لمن كان يرجو الله الخ.

{ فى رسول الله اسوة حسنة }.

قال الراغب الاسوة والاسوة كالقدوة والقدوة الحالة التى يكون الانسان عليها فى اتباع غيره ان حسنا وان قبيحا ان سارّا وان ضارا ويقال تأسيت به اى اقتديت. والمعنى لقد كان لكم فى محمد صلى الله عليه وسلم خصلة حسنة وسنة صالحة حقها ان يؤتسى بها اى يقتدى كالثبات فى الحرب ومقاساة الشدائد فانه قد شج فوق حاجبه وكسرت رباعيته وقتل عمه حمزة يوم احد واوذى بضروب الاذى فوقف ولم ينهزم وصبر فلم يجزع فاستسنوا بسنته وانصروه ولا تتخلفوا عنه.

وقال بعضهم كلمة فى تجريديه جرد من نفسه الزكية شئ وسمى قدوه وهى هو يعنى ان رسول الله فى نفسه اسوة وقدوة يحسن التأسى والاقتداء به كقولك فى البيضة عشرون منا حديدا اى هى نفسها هذا القدر من الحديد { لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر } اى يأمل ثواب الله ونعيم الآخرة او يخاف الله واليوم الآخر. فالرجاء يحتمل الامل والخوف ولمن كان صلة الحسنة او صفة لها لا بدل من لكم فان الاكثر على ان ضمير المخاطب لا يبدل منه { وذكر الله كثيرا } اى ذكرا كثيرا فى جميع اوقاته واحواله اى وقرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدية الى ملازمة الطاعة وبها يتحقق الأتساء برسول الله.

قال الحكيم الترمذى الاسوة فى الرسول الاقتداء به والاتباع لسنته وترك مخالفته فى قول وفعل.

فمتابعة الرسول تجب على كل مؤمن حتى يتحقق رجاؤه ويثمر عمله لكونه الواسطة والوسيلة وذكر الرجاء اللازم للايمان بالغيب فى مقام النفس وقرن به الذكر الكثير الذى هو عمل ذلك المقام ليعلم ان من كان فى البداية يلزم متابعته فى الاعمال والاخلاق والمجاهدات بالنفس والمال اذ لو لم يستحكم البداية لم يفلح بالنهاية ثم اذا تجرد وتزكى عن صفات نفسه فليتابعه فى موارد قلبه كالصدق والاخلاص والتسليم ليحتظى ببركة المتابعة بالمواهب والاحوال وتجليات الصفات فى مقام القلب كما احتظى بالمكاسب والمقامات وتجليات الافعال فى مقام النفس وهكذا فى مقام الروح حتى الفناء.

وفى التأويلات النجمية يشير الى ما سبقت به العناية لهذه الامة فى متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم كما اخبر بلفظ { لقد كان } اى كان { لكم } مقدرا فى الازل ان يكون لكم عند الخروج من العدم الى الوجود { فى رسول الله اسوة حسنة } اى اقتداء حسن وذلك فان اول كل شئ تعلقت به القدرة للايجاد كان روح رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فالاسوة الحسنة عبارة عن تعلق القدرة بارواح هذه الامة لاخراجهم من العدم الى الوجود عقيب اخراج روح رسول الله صلى الله عليه وسلم من العدم الى الوجود فمن اكرم بهذه الكرامة يكون له اثر فى عالم الارواح قبل تعلقه بعالم الاشباح وبعد تعلقه بعالم الاشخاص فأما اثره فى عالم الارواح فبتقدمه على الارواح بالخروج الى عالم الارواح وبرتبته فى الصف الاول بقرب روح رسول الله صلى الله عليه وسلم اوفى الصف الذى يليه وبتقدمه فى قبول الفيض الالهى وبتقدمه عند استخراج ذرات الذريات من صلب آدم فى استخراج ذراته وباحضارها فى الحضرة وبتقدمه استماع خطاب ألست بربكم وبتقدمه فى اجابة الرب تعالى بقوله قالوا بلى وبتقدمه فى المعاهدة مع الله وبتأخيره فى الرجوع الى صلب آدم وبتأخره فى الخروج عن اصلاب الآباء الى ارحام الامهات وفى الخروج عن الرحم وبتأخر تعلق روحه بجسمه فان لله الذى هو المقدم والمؤخر فى هذه التقدمات والتأخرات حكمة بالغة ولها تأثيرات عجيبة يطول شرحها واما اثره فى عالم الاشباح فاعلم انه بحسب هذه المراتب فى ظهور اثر الاسوة يظهر اثرها فى عالم الاشباح عند تعلق نظر الروح بالنطفة فى الرحم او لا الى ان تتربى النطفة بنظره فى الاطوار المختلفة ويصير قالبا مسويا مستعدا لقبول تعلق الروح به فمثل القالب المسوى مع الروح كمثل الشمعة مع نقش الخاتم اذا وضع عليها يقبل جميع نقوش الخاتم فالروح المكرم اذا تعلق بالقالب المسوّى يودع فيه جميع خواصه التى استفادها من تلك التقدمات والتأخرات الاسوتية فكل ما يجرى على الانسان من بداية ولادته الى نهاية عمره من الافعال والاقوال والاخلاق والاحوال كلها من آثار خواص اودعها الله فى الروح فبحسب قرب كل روح الى روح الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده عنه له اعمال ونيات تناسب حاله فى الاسوة فاما حال اهل القرب منهم فبان يكون عملهم على وفق السنة خالصا لوجه الله تعالى كما قال { لمن كان يرجو الله } واما من هودونهم فى القرب والاخلاص فبان يكون عملهم لليوم الآخر اى للفوز بنعيم الجنان كما قال تعالى { واليوم الآخر } اى لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ثم جعل نيل هذه المقامات مشروطا بقوله تعالى { وذكر الله } كثيرا لان فى الذكر وهو كلمة لا اله الا الله نفيا واثباتا وهما قدمان للسائرين الله تعالى وجنا حان للطائرين بالله بهما يخرجون من ظلمات الوجود المجازى الى نور الوجود الحقيقى انتهى كلام التأويلات