رقم الفتوى: 461

نص السؤال :

إذا غاب الزوج عن زوجته مدة طويلة، متى تستطيع هي طلب الطلاق من القاضي؟ وإذا ظهر بعد فترة هل يعتبر الطلاق من القاضي باطلا؟؟ أو هل اذا تزوجت زوجا آخر بعد طلاقها وظهر هذا الزوج فما هو حكم الإسلام في هذا الأمر ...وشكرا

الجواب :

"التفريق لغيبة الزوج"

إذا غاب عن زوجته مدة تتضرر بها وتخشى على نفسها الفتنة فطلبت من القاضي التفريق بينها وبين زوجها فهل تجاب إلى طلبها؟

ذهب الحنفية والشافعية والجعفرية وغيرهم إلى أنه لا يحق لها هذا الطلب ولا تجاب لطلبها لعدم وججود ما يصلح سبباً للتفريق في نظرهم.

وذهب المالكية والحنابلة إلى جواز التفريق بالغيبة إذا طالت حتى ولو ترك لها زوجها مالاً تنفق منه، ولكنهم اختلفوا في حد الغيبة الطويلة.

فحددها الحنابلة بستة أشهر استناداً إلى ما روي عن عمر في قصة المرأة التي تضررت ‏من غياب زوجها في الغزو وسمعها عمر في إحدى الليالي تشكو منشدة بيتين من الشعر، ‏وسأل ابنته حفصة عن المدة التي تصبر فيها المرأة عن زوجها فوقت للناس في مغازيهم ستة ‏أشهر.‏


وحددها المالكية في الراجح عندهم بسنة وقيل بثلاث سنين.‏


كما اختلفوا في تلك الغيبة هل هي التي تكون بغير عذر كما يرى الحنابلة أو مطلقاً بعذر وبغير عذر كما يرى المالكية، لأن المرأة تتضرر بها في الحالتين، والمقصود بالتفريق رفع ‏الضرر عنها، واتفقوا على أن الغيبة إذا كانت بعيدة لا يمكن وصول الرسائل إليه أو يمكن بعد ‏زمن طويل موجبة للتفريق في الحال بدون إعذار ولا إمهال.‏

وإن كانت قريبة فلا يصح التفريق إلا بعد الإعذار إليه بأن يقدم أو ينقل امرأته إليه أو ‏يطلق فإن فعل وإلا فرق بينهما بعد أن يتريث مدة باجتهاده رجاء عودته.‏


وهذا التفريق طلاق بائن عند مالك، وفسخ عند الحنابلة لأنها لم تصدر من الزوج ولا بتفويض منه.

وقد كان العمل بمصر يجري على مذهب الحنفية لا تفريق بالغيبة مهما طالت إلى أن صدر القانون رقم 25 لسنة 1929، فعدل عن مذهب الحنفية وأخذ بحكم ملفق من مذهبي المالكي والحنابلة جاء ذلك في مادتي 12 - 13 ونصها:

م12- إذا غاب الزوج سنة فأكثر بلا عذر مقبول جاز لزوجته أن تطلب إلى القاضي تطليقها منه إذا تضررت من بعده عنها ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه.

م13- إذا أمكن وصول الرسائل إلى الغائب ضرب له القاضي أجلاً وأعذر إليه بأن يطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها أو ينقلها إليه أو يطلقها، فإذا انقضى الأجل ولم يفعل ولم يبد عذراً مقبولاً فرق القاضي بينهما بتطليقة بائنة، وإن لم يمكن وصول الرسائل إلى الغائب طلقها القاضي عليه بلا إعذار وضرب أجل.

والمراد بالغيبة كما جاء بالمذكرة الإيضاحية غيبة الزوج عن زوجته بإقامته في بلد آخر غير التي تعيش فيه، وأما الغيبة عن بيت الزوجية وعيشه في بيت آخر في نفس البلد فهو من الأحوال التي تدخل في الضرر.

وعللت تلك المذكرة العدول عن مذهب الحنفية إلى مذهب مالك بأن مقام الزوجة وزوجها بعيد عنها زمناً طويلاً مع محافظتها على العفة والشرف أمر لا تحتمله الطبيعة البشرية في الأعم الأغلب وإن ترك لها الزوج مالاً تستطيع الإنفاق منه.

وإذا كانت هذه علة العدول فهي متحققة أيضاً في الغياب بعذر ولا يشذ عنه إلا النادر فلِمَ لَمْ يعمم القانون الحكم للحالين ما كانت بعذر وبغير عذر، كما هو مذهب مالك الذي صرحت المذكرة بأن الحكم مأخوذ منه؟

ويمكننا تعليل هذه التفرقة: بأن الغيبة إذا كانت بغير عذر يلحق المرأة فيها الضرر من غير فائدة تعود عليها أو على الحياة الزوجية فلا يكون للمرأة ما يحملها على الصبر.

وأما الغيبة بعذر كالسفر للتجارة أو للعمل أو لطلب العلم مثلاً ففيها من الفائدة التي تعود على الحياة الزوجية المستقبلة، فعلى المرأة أن تتحمل قسطاً من أعباء تلك الحياة لبناء مستقبل الأسرة فاستحق بذلك زوجها الرحمة والرأفة فلا يسمح لزوجته طلب التفريق.

ولا أدلة على ذلك من أن هذا القانون جعل لزوجة المسجون بعد مضي سنة على سجنه أن تطلب التفريق وإن كان له عذر في غيبته حيث لا اختيار له في هذا السجن لأنه بارتكابه ما أوجب سجنه لا يستحق شفقة ولا رحمة، بل يجب أن يعامل بشدة، على أن سجنه لا يعود على الحياة الزوجية بفائدة بل قد يكون سبباً في شقائها في المستقبل.

هذا هو المعمول به في مصر، أما في لبنان فقانون حقوق العائلة يعرض لحكم غيبة الزوج في المادتين 126، 127، فيفرق أولاً بين غيبة الزوج الذي لم يترك لزوجته ما تنفق منه وتعذر تحصيل النفقة وبين ما إذا غاب وترك مالاً من جنس النفقة، فإذا طلبت التفريق في الحالة الأولى حكم به بعد إجراءات التحقيقات اللازمة بدون تأجيل.

وظاهر أن التفريق هنا لعدم الإنفاق كما أشرنا إلى ذلك من قبل.

وإذا طلبته في الحالة الثانية فإن القاضي بعد إجراء التحقيقات اللازمة ويأسه من معرفة مكانه لا يفرق في الحال بل بعد فترة من الزمن قدرت بسنة في الغيبة في المحاربة من بعد عودة الطرفين المتحاربين وأسرائهم لمحلاتهم، وأربع سنوات في الأحوال العادية تبدأ من تاريخ اليأس من وجوده.

فإذا لم يعرف مكانه في تلك المدة وأصرت الزوجة على طلبها يفرق بينهما بطلقة بائنة وتعتد المرأة في كل االحالتين عدة الوفاة اعتباراً من تاريخ الحكم م127.

فلو تزوجت بعد انقضاء عدتها ثم ظهر زوجها الأول لا يفسخ هذا الزواج الثاني م128، لأن الزواج الأول انتهى بالطلاق الذي أوقعه القاضي، وعدة الوفاة كانت للاحتياط فقط، أما لو حكم بوفاته ثم تزوجت بآخر ثم تحققت حياة زوجها الأول انفسخ الزواج الثاني م129، لأن الزواج الثاني جاء على أساس أن الأول انتهى بوفاة الأول وظهر أن هذا الأساس غير صحيح وأن الزواج الأول لا يزال باقياً.