رقم الفتوى: 3691

نص السؤال :

س1-مامدى صحة حديث ((عيال الله )) أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله . رواه أبو يعلى 65/6 و الطبراني في المعجم الكبير 86/10 و القضاعي في مسند الشهاب 255/2 ورواه الحارث في مسنده أيضاً 857/2 واذا كان صحيح كيف يفهم وخاصة انه يعارض القران (لم يلد ولم يولد)؟ س-2الدكتور بندر بن ناقع العبدلي لصحيفة "عكاظ" في حديث نشرته اليوم الخميس 24-12-2009 أن نصوص صيام يوم قبل يوم عاشوراء ويوم بعده لم يثبت ورودها عن النبي صلى الله عليه وسلم . هل هذا صحيح ؟وايضا اضاف التي ذكرت أن صيام عاشوراء على ثلاثة مراتب بأنها نصوص لم ترد عن النبي، بل وردت المراتب الثلاث عن عالمين معروفين في الفقه الإسلامي هما ابن القيم وابن حجر في كتابين لهما حيث أوضحا أن أكملها وأفضلها صيام يوم عاشوراء مع يوم قبله ويوم بعده، ويليها مرتبة صيام التاسع والعاشر، ثم أخيرا إفراد العاشر وحده بالصيام. وأكد أنها "مراتب فيها شيء من عدم الدقة"، معللا ذلك بأن "المرتبة الأولى وهي صيام اليوم العاشر مع يوم قبله وبعده لم يثبت فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما صح ذلك عن ابن عباس موقوفا عليه." هل هذا صحيح وهل هناك حديث ثابت عن النبي ؟ وتحياتي لكم شيخنا

الجواب :

أ- حديث " الخلق عيال الله "

قال الحافظ العلامة الصوفي المناوي - رحمه الله - :

( الخلق عيال الله ) أي فقراؤه وهو الذي يعولهم قال العسكري هذا على المجاز والتوسع فإنه تعالى لما كان المتضمن لأرزاق العباد الكافل بها كان الخلق كعياله ( فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ) بالهداية إلى الله والتعلم لما يصلحهم والعطف عليهم والترحم والشفقة والإنفاق عليهم من فضل ما عنده وغير ذلك من وجوه الإحسان الأخروية والدنيوية ، والعادة أن السيد يحب الإحسان إلى عبيده وحاشيته ويجازي عليه وفيه حث على فضل قضاء حوائج الخلق ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو جاه أو إشارة أو نصح أو دلالة على خير أو إعانة أو شفاعة أو غير ذلك ، وقد أخذ هذا الحديث أبو العتاهية فقال :

الخلق كلهم عيال * الله تحت ظلاله * فأحبهم طرا إليه * أبرّهم بعياله * عيال الله أكرمهم عليه * أبثهم المكارم في عياله

رواه أبو يعلى في مسنده والبزار وكذا البيهقي في الشعب عن أنس قال الهيثمي فيه يوسف بن عطية الصفار وهو متروك .
ومن ثم قال المصنف في الدرر كالزركشي سنده ضعيف ( طبراني وكذا الديلمي عن ابن مسعود ) قال ابن الجوزي حديث لا يصح وقال الهيثمي فيه موسى بن عمير أبو عبيد وهو أبوهرون القدسي متروك .
وفي الميزان يوسف بن عطية البصري الصفار قال النسائي متروك والبخاري منكر الحديث ومن مناكيره هذا الخبر وفي الحديث قصة وهي ما أخرجه ابن منيع عن إبراهيم الموصلي قال : كنت بالشماسة وكان أمير المؤمنين يجري الجلية ويحيى بن أكثم معه فجعل يدير بصره ينظر إلى كثرة الناس ويقول ليحيى أما ترى ثم قال : حدثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس فذكره .

ب- صيام يوم عاشوراء

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما يلي :


اتّفق الفقهاء على سنّيّة صوم عاشوراء وتاسوعاء - وهما : اليوم العاشر ، والتّاسع من المحرّم - لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في صوم عاشوراء :  » أحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي قبله « .

ولحديث معاوية رضي الله عنه قال : سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول :  » هذا يوم عاشوراء ، ولم يكتب اللّه عليكم صيامه ، وأنا صائم ، فمن شاء فليصم ، ومن شاء فليفطر« .

وقول النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله  وسلم : » لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التّاسع « . أخرجه مسلم

وقد كان صوم يوم عاشوراء فرضاً في الإسلام ، ثمّ نسخت فرضيّته بصوم رمضان ، فخيّر النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم المسلمين في صومه ، وهو اختيار كثيرين واختيار الشّيخ تقيّ الدّين من الحنابلة ، وهو الّذي قاله الأصوليّون . 

وصوم يوم عاشوراء - كما سبق في الحديث الشّريف - يكفّر ذنوب سنة ماضية . والمراد بالذّنوب : الصّغائر ، قال الدّسوقيّ : فإن لم يكن صغائر ، حتّت من كبائر سنة ، وذلك التّحتيت موكول لفضل اللّه ، فإن لم يكن كبائر رفع له درجات .

وقال البهوتيّ : قال النّوويّ في شرح مسلم عن العلماء : المراد كفّارة الصّغائر ، فإن لم تكن له صغائر رجي التّخفيف من الكبائر ، فإن لم تكن له كبائر رفع له درجات .

وصرّح الحنفيّة : بكراهة صوم يوم عاشوراء منفرداً عن التّاسع ، أو عن الحادي عشر . كما صرّح الحنابلة : بأنّه لا يكره إفراد عاشوراء بالصّوم ، وهذا ما يفهم من مذهب المالكيّة.

قال الحطّاب : قال الشّيخ زرّوق في شرح القرطبيّة : واستحبّ بعض العلماء صوم يوم قبله ويوم بعده ، وهذا الّذي ذكره عن بعض العلماء غريب لم أقف عليه .

وذكر العلماء في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجهاً :

أحدها : أنّ المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر ، وهو مرويّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما فقد روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وعلى آله  وسلم أنّه قال :  » صوموا يوم عاشوراء ، وخالفوا فيه اليهود وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً  « . حديث " صوموا يوم عاشوراء .... "  أخرجه أحمد (241/1) من حديث ابن عباس ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ( 188/3) وقال : رواه أحمد والبزار ، وفيه محمد ابن أبي ليلى ، وفيه كلام .

الثّاني : أنّ المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم ، كما نهى أن يصوم يوم الجمعة وحده . الثّالث : الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع الغلط ، فيكون التّاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر .

واستحبّ الحنفيّة والشّافعيّة صوم الحادي عشر ، إن لم يصم التّاسع .

قال الشّربينيّ الخطيب : بل نصّ الشّافعيّ في الأمّ والإملاء على استحباب صوم الثّلاثة .


وأنقل لك - هنا - ما قاله الإمام المحدث الفقيه المؤرخ الأصولي العيني الحنفي - رحمه الله - :

أخرج البخاري عن ابن عباس قال : ما رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء ، وهذا الشهر يعني شهر رمضان .  وأخرجه مسلم والنسائي أيضا نحوه .

قوله " يتحرى " من التحري ، وهو القصد والاجتهاد والطلب والعزم على تخصيص الشيء بالشيء بالفعل والقول .

وأخرج مسلم عن الحكم بن الأعرج قال : انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم ، فقلت له : أخبرني عن صوم يوم عاشوراء ، فقال : إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما ، قلت : هكذا كان محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصومه ؟ قال : نعم .


وأخرج أبوداود عن الحكم بن الأعرج قال : أتيت ابن عباس وهو متوسد رداءه في المسجد الحرام ، فسألته عن صوم عاشوراء ، فقال : إذا رأيت هلال المحرم فاعدد ، فإذا كان يوم التاسع فأصبح صائما ، قلت : كذا كان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصوم ؟ قال : كذا كان محمد يصوم .

وفي هذا الحديث ما يدل على أن عاشوراء هو اليوم التاسع ، وإليه ذهب جماعة ، منهم : أبو رافع صاحب أبي هريرة ومحمد بن سيرين والشافعي وأحمد وإسحاق ، واحتجوا على ذلك بالحديث المذكور .

وقال الجمهور - منهم أبو حنيفة ومالك والحسن وسعيد بن المسيب - : إنه هو اليوم العاشر ، وهو الذي يدل عليه أكثر الأحاديث ، ومنها قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " لأصومن التاسع " ، فهذا صريح على أن صومه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان العاشر .

فإن قيل : ما وجه هذا الحديث الذي نص فيه على أنه هو التاسع مع أنه هو الذي روى أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه هو اليوم العاشر ؟!

وأخرج الترمذي أيضا بإسناده عنه : أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصوم يوم عاشوراء يوم العاشر " ؟!

قلت : أراد ابن عباس من قوله " فإذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائما " صم التاسع مع العاشر ، وأراد بقوله " نعم " ما روي من عزمه صلى الله عليه وآله وسلم على صوم التاسع من قوله : لأصومن التاسع .

وقال القاضي - أي الطحاوي رحمه الله - : ولعل ذلك على طريق الجمع مع العاشر ، لئلا يتشبه باليهود ورد في رواية أخرى : فصوموا التاسع والعاشر .

قلت : ذكر رزين هذه الرواية عن عطاء قال : سمعت ابن عباس يقول " صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود " .

قال القاضي : وإلى هذا أيضا ذهب جماعة من السلف ، وبه قال الشافعي وأيضا إسحاق .

وروى عبدالرزاق : عن ابن جريج ، أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء " خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر " .

وقال عبدالحق في " أحكامه " : وذكر أبو أحمد من حديث داود بن علي عن عبدالله بن عباس ، عن أبيه عن جده ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود ، وصوموا يوما قبله ، ويوما بعده " هكذا رواه ابن أبي ليلى عن داود .

ورواه ابن حي عن داود عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " لئن بقين قابل لأصومن يوما قبله ويوما بعده " يعني : يوم عاشوراء .

قال أبو أحمد داود بن علي : أرجو أنه لا بأس به ، وقال ابن معين أرجو أنه لا يكذب .

قلت : فهذا يدل على أن المستحب أن يصام اليوم التاسع والعاشر والحادي عشر عملا بالأحاديث كلها خروجا عن عهدة الخلاف ، وقال قوم من أهل العلم :أحب صوم عاشوراء صام يومين : التاسع والعاشر ، وممن روي ذلك عنه : ابن عباس ، وابن سيرين ، وقاله الشافعي .

ويقال : معنى قول ابن عباس : " نعم " في جواب الحكم بن الأعرج حين قال : " كذلك كان يصوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم " أي : نعم كان يصوم التاسع لو عاش إلى العام المقبل جمعا بينه وبين قوله " فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع " .

قال أبو عمر- أي ابن عبدالبر رحمه الله -  : وفي هذا دليل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم العاشر إلى أن مات ، ولم يزل يصومه حتى قدم المدينة وذلك محفوظ من حديث ابن عباس ، والآثار في هذا الباب مضطربة عن ابن عباس .