رقم الفتوى: 3552

نص السؤال :

السلام عليكم. يا سيدي انا اعلم ان للجوع فوئد كثيرة وقد ذكرها الامام الغزالي في كتابه , لكن سؤالي هو ماذا لو ان انسانا يأكل ويشبع وسير في حياته مستقيما ومحافظا على طاعة الله؟ ما حكم ذلك عند السادة الصوفية؟؟؟

الجواب :

الجـــــوع

قال الإمام الحافظ الفقيه ابن رجب الحنبلي - رحمه الله - :

عن المقدام بن معدي كرب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول " ماملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه  " رواه الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن.

وهذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها وقد روى أن ابن أبي ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة قال لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام ولتعطلت دكاكين الصيادلة وإنما قال هذا لأن أصل كل داء التخم ، وقال الحارث بن كلدة -  طبيب العرب - الحمية رأس الدواء والبطنة رأس الداء ورفعه بعضهم ولا يصح أيضا ، وقال غيره لو قيل لأهل القبور ما كان سبب آجالكم لقالوا التخم فهذا بعض منافع قليل الغذاء وترك التملؤ من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته وأما منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه فإن قلة الغذاء توجب رقة القلب وقوة الفهم وانكسار النفس وضعف الهوي والغضب وكثرة الغذاء يوجب ضد ذلك قال الحسن يا ابن آدم كل في ثلث بطنك واشرب في ثلثه ودع ثلث بطنك يتنفس ويتفكر وقال المروزي جعل أبو عبدالله يعني الإمام أحمد يعظم من الجوع والفقر فقلت له يؤجر الرجل في ترك الشهوات فقال وكيف لا يؤجر وابن عمر يقول ما شبعت منذ ثلاثة أشهر قلت لأبي عبدالله يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع قال ما أرى ثم روى المروزي عن أبي عبدالله قول ابن عمر هذا من وجوه فروى بإسناده عن ابن سيرين قال قال رجل لابن عمر ألا أجيئك بجوارش قال وأي شيء هو قال شيء يهضم الطعام إذا أكلته قال ما شبعت منذ أربعة أشهر وليس ذاك لأني لا أقدر عليه ولكن أدركت أقواما يجوعون أكثر مما يشبعون .


وعن محمد بن واسع قال من قل طعمه فهم وأفهم وصفا ورق وإن كثرة الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد وعن أبي عبيدة الخواص قال حتفك في شبعك وحفظك في جوعك وإذا أنت شبعت ثقلت فنمت واستمكن منك العدو فجثم عليك وإذا أنت تجوعت كنت للعدو بمرصد وعن عمرو بن قيس قال إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب .

وعن إبراهيم بن أدهم قال من ضبط بطنه ضبط دينه ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة وإن معصية الله بعيدة من الجائع قريبة من الشبعان والشبع يميت القلب ومنه يكون الفرح والمرح والضحك وقال ثابت البناني بلغنا أن إبليس لعنه الله ظهر ليحيي بن زكريا عليهما السلام فرأي عليه معاليق من كل شيء فقال له يحيى عليه السلام يا إبليس ما هذه المعاليق التي أري عليك قال هذه الشهوات التي أصيب من بني آدم قال فهل لي فيها شيء قال ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر قال فهل غير هذا قال لا قال لله على أن لا أملأ بطني من طعام أبدا قال فقال إبليس لعنه الله لله على أن لا أنصح مسلما أبدا.

وعن الشافعي قال ما شبعت منذ ستة عشر سنة إلا شبعة أطرحها لأن الشبع يثقل البدن ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى التقلل من الأكل في حديث المقدام وقال "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه " وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء والمراد أن المؤمن يأكل بآداب الشرع فيأكل في معي واحد والكافر يأكل بمقتضي الشهوة والشره والنهم فيأكل في سبعة أمعاء وندب صلى الله عليه وسلم مع التقلل من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه فقال طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الثلاثة وطعام الثلاثة يكفي الأربعة فأحسن ما أكل المؤمن في ثلث بطنه وشرب في ثلث وترك للنفس ثلثا كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المقدام .


وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يجوعون كثيرا ولا يشربون كثيرا يتقللون من أكل الشهوات وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام إلا أن الله لا يختار لرسوله إلا أكمل الأحوال وأفضلها ولهذا كان ابن عمر يتشبه به في ذلك مع قدرته على الطعام وكذلك أبوه من قبله ففي الصحيحين عن عائشة قالت ماشبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من خبز بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض ولمسلم قالت ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض وخرج البخاري عن أبي هريرة قال ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعام ثلاثة أيام حتى قبض وعنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز شعير وفي صحيح مسلم عن عمر أنه خطب فذكر ما أصاب الناس من الدنيا فقال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلا وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أتت على ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال وخرجه ابن ماجه بإسناده عن سليمان بن صرد قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكثنا ثلاث ليال لا نقدر على طعام وبإسناده عن أبي هريرة قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام سخن فأكل فلما فرغ قال الحمد لله ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا و كذا وقد ذم الله ورسوله من اتبع الشهوات قال تعالى فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب مريم وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن وفي المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي رجلا سمينا فجعل يومئ بيده إلى بطنه ويقول لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك وفي المسند عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أخوف ما أخاف عليكم الشهوات التي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوي وفي مسند البزار وغيره عن فاطمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال شرار أمتي الذين غذوا بالنعم يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام وخرج البزار وابن ماجه من حديث ابن عمر قال تجشأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال كف عنا جشاءك فإن أكثرهم شعبا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة وخرج ابن ماجه من حديث سلمان أيضا بنحوه وخرجه الحاكم من حديث أبي جحيفة وفي أسانيدها كلها مقال وروى يحيى بن مندة في كتاب مناقب الإمام أحمد بإسناد له عن الإمام أحمد أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس فقال ثلث الطعام هو القوت وثلث الشراب هو القوي وثلث النفس هو الروح .

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما يلي :

من آداب الأكل الاعتدال في الطعام وعدم ملء البطن ، وأكثر ما يسوغ في ذلك أن يجعل المسلم بطنه أثلاثا : ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس لحديث : « ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن ، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلثا لنفسه » . ولاعتدال الجسد وخفته ، لأنه يترتب على الشبع ثقل البدن ، وهو يورث الكسل عن العبادة والعمل ، ويعرف الثلث بالاقتصار على ثلث ما كان يشبع به ، وقيل يعرف بالاقتصار على نصف المد ، واستظهر النفراوي الأول لاختلاف الناس .
وهذا كله في حق من لا يضعفه قلة الشبع ، وإلا فالأفضل في حقه استعمال ما يحصل له به النشاط للعبادة ، واعتدال البدن .
وفي الفتاوى الهندية : الأكل على مراتب : فرض : وهو ما يندفع به الهلاك فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك فقد عصى .
ومأجور عليه ، وهو ما زاد عليه ليتمكن من الصلاة قائما ، ويسهل عليه الصوم .
ومباح ، وهو ما زاد على ذلك إلى الشبع لتزداد قوة البدن ولا أجر فيه ولا وزر ويحاسب عليه حسابا يسيرا إن كان من حل .
وحرام ، وهو الأكل فوق الشبع إلا إذا قصد به التقوي على صوم الغد ، أو لئلا يستحي الضيف فلا بأس بأكله فوق الشبع .
وقال ابن الحاج : الأكل في نفسه على مراتب ، واجب ، ومندوب ، ومباح ، ومكروه ، ومحرم ، فالواجب : ما يقيم به صلبه لأداء فرض ربه ، لأن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب .
والمندوب : ما يعينه على تحصيل النوافل وعلى تعلم العلم وغير ذلك من الطاعات .
والمباح : الشبع الشرعي .
والمكروه : ما زاد على الشبع قليلا ولم يتضرر به .
والمحرم : البطنة . وهو الأكل الكثير المضر للبدن .
وقال النووي : يكره أن يأكل من الطعام الحلال فوق شبعه .
وقال الحنابلة : يجوز أكله كثيرا بحيث لا يؤذيه . وفي الفتية : يكره مع خوف تخمة .
ونقل عن ابن تيمية كراهة الأكل المؤدي إلى التخمة كما نقل عنه تحريمه .

والمطلوب هو الاعتدال في كل الأمور ، قال العارف الكبير الشاعر العالم الفقيه البوصيري :

والنفس كالطفل ان تهمله شب على
... ... ...حب الرضاع وان تفطمه ينفطم
فاصرف هواها وحاذر ان توليه
... ... ...ان الهوى ما تولى يصم او يصم
وراعها وهي في الاعمال سائمة
... ... ...وان هي استحلت المرعى فلا تسم
كم حسنت لذة للمرء قاتلة
... ... ...من حيث لم يدر ان السم في الدسم
واخش الدسائس من جوع ومن شبع
... ... ...فرب مخمصة شر من التخم
واستفرغ الدمع من عين قد امتلأت
... ... ...من المحارم والزم حمية الندم