31
يوليو 2010
في ذكر ليلة النصف من شعبان
هذه خطبة للامام المفسر المحدث الفقيه الحنبلي المتكلم الأشعري عبدالرحمن الجوزي رحمه الله :
في ذكر ليلة النصف من شعبان
الحمد لله الذي لا ناقض لما بناه ، ولا حافظ لما أفناه ، ولا مانع لما أعطاه
، ولا راد لما قضاه ولا مظهر لما أخفاه ، ولا ساتر لما أبداه ، ولا مضل لمن هداه ،
ولا هادي لمن أعماه ، أنشأ الكون بقدرته وما حواه ، ورزق الصون بمنته ومَنّه من
والاه ، " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " .
خلق آدم بيده وسواه ، وأسكنه في حرم
قربه وحماه ، وأمره كما شاء ونهاه ، وأجرى القضاء بموافقته هواه ، فنزعت يد
التفريط ما كساه ، ثم تاب عليه فرحمه واجتباه ، وحاله ينذر من يسعى فيما اشتهاه ، وطرد إبليس وكانت السموات مأواه ، فأصمه بمخالفته كما شاء وأعماه ، وأبعده عن
بابه للعصيان وأشقاه ، وفي قصته نذير لمن خالفه وعصاه ، ألان الحديد لداود كما
تمناه ، يأمن لابسه من يلقاه ، ثم صرع صانعه بسهم قدر ألقاه ، فلما تسور المحراب
خصماه ، أظهر جدال التوبيخ فخصماه " وظن داود أنما فتناه " وذهب ذو النون
مغاضباً فالتقمه الحوت وأخفاه ، فندم إذ رأت عيناه ، ما جنت يداه فلما أقلقه
كرب ظلام تغشاه ، تضرع مستغيثاً ينادي مولاه " إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه " .
تعالى ربنا وسبحانه ، وحاشاه أن يخيب راجيه وينسى من لا ينساه ، أخذ موسى من
أمه طفلاً وراعاه ، وساقه إلى حجر عدوه فرباه ، وجاد عليه بنعم لا تحصى وأعطاه
، فمشى في البحر وما ابتلت قدماه ، وتبعه العدو فأدركه الغرق وواراه ، فقال آمنت :
فإذا جبريل يسدّ فاه ، وكان من غاية شرفه ومنتهاه ، أنه خرج يطلب ناراً فناداه : "
يا موسى إني أنا الله " وشرّف أمته شرفاً بينا أولاه ، " وأني فضلتكم على
العالمين " بكنتم خير أمة أخذناه .
خلق سيدنا محمداً - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - واختاره على الكل واصطفاه ، وكشف
له الحجاب عند قاب قوسين فرآه ، وأوحى إليه من سِرّه المستور ما أوحاه ، ووعده
المقام المحمود وسيبلغه مُناه .
فالحمد لله الذي دلنا بنبيه عليه وعرّفناه
، وأجلنا بالقرآن العظيم القديم وعلمناه ، وهدانا إلى بابه بتوفيق أودعناه ،
حمداً لا ينقضي أولاه ولا ينفد أخراه .
وصلى الله على سيدنا محمد ما تحركت الألسن
والشفاه ، وعلى آله وصحبه صلاة دائمة تدوم بدوام ملك الله ، وسلم تسليماً .
عباد
الله إن ليلتكم هذه النصف ، عظيمة القدر وعجيبة الوصف ، يطلع الله فيها على
العباد ، فيغفر لكلٍ ما خلا أهل العناد .
عن عائشة رضي الله عنها قالت : فقدت رسول
الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات ليلة فخرجت ، فإذا هو بالبقيع رافع رأسه إلى
السماء فقال : كنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله ؟ قلت : يا رسول الله ظننت
أنك أتيت بعض نسائك . فقال : إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى
السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب.
وعنها أيضا قالت : كانت ليلة
النصف من شعبان ليلتي ، فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي ، فلما كان
في جوف الليل فقدته ، فأخذني ما يأخذ النساء من الغيرة ، فتلفعت بمرطي ، أما
والله ما كان مرطي خزاً ولا قزاً ، ولا حريراً ، ولا ديباجاً ولا قطناً ، ولا
كتاناً . قيل : فمم كان ؟ قالت : كان سداه شعراً، ولحمته من أوبار الإبل . قالت : فطلبته
في حجر نسائه فلم أجده ، فانصرفت إلى حجرتي ، فإذا به كالثوب الساقط على وجه
الأرض ساجدا وهو يقول في سجوده : سجد لك سوادي وخيالي ، وآمن بك فؤادي ، هذه يداي
وما جنيت بهما على نفسي ، يا عظيما يرتجى لكل عظيم اغفر الذنب العظيم ، أقول
كما قال داود عليه السلام أعّفر وجهي بالتراب لسيدي ، وحُقّ له أن يسجد وجهي
للذي خلقه ، وشق سمعه وبصره . ثم رفع رأسه صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم
ارزقني قلبا نقيا من الشرك لا كافرا ولا شقيا . ثم سجد وقال :أعوذ برضاك من
سخطك، وأعوذ بعفوك من معاقبتك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك
. قالت: ثم انصرف ودخل معي في الخميلة ولي نفس عال فقال : ما هذا النفس يا
حميراء ؟ قالت : فأخبرته فطفق يمسح بيده على ركبتي ويقول: ويح هاتين الركبتين
ماذا لقيتا في هذه الليلة ليلة النصف من شعبان ، إن الله تعالى ينزل إلى سماء
الدنيا فيغفر لعباده إلا لمشرك أو مشاحن .
وفي رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها ، عن النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : يا حميراء أما تدرين ما هذه الليلة ؟ هذه ليلة
عتقاء الله من النار بعدد شعر غنم كلب . قلت : يا نبي الله وما بال غنم كلب ؟ قال : ليس
في العرب قوم أكثر غنما منهم ، لا أقول فيهم ستة : مدمن خمر ، ولا عاق والديه ، ولا
مصر على ربا ، أو زنا ، ولا مُصارم ولا مصور ولا قتات .
وروي عن عبد الله بن عمرو
أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال " يطلع الله إلى خلقه ليلة النصف من
شعبان ، فيغفر لعباده إلا لاثنين : مشاحن وقاتل نفس " . وعن أبي هريرة قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " ليلة النصف من شعبان يغفر الله لعباده إلا
لمشرك أو مشاحن " .
قلت : والظاهر من المشاحن أنه الذي بينه وبين أخيه المسلم
عداوة ، وقد قال الأوزاعي : هو الذي في قلبه شحناء لأصحاب رسول الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم .
وروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال "
يَسحُ الله الخير في أربع ليال سحا : الأضحى ، والفطر، وليلة النصف من شعبان ، تُنسخ
فيها الآجال والأرزاق ويكتب فيها الحاج ، وفي ليلة عرفة إلى الأذان " .
وفي
حديث عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : خمس ليال لا يرد
فيهن الدعاء . فذكر منهن ليلة النصف من شعبان .
وروى ابن كردوس عن أبيه عن
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال " من أحيا ليلتي العيدين وليلة النصف من
شعبان ، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب " .
وعن علي - عليه السلام - أنه قال : إذا كان ليلة النصف من
شعبان قال الله تعالى : هل من سائل فأعطيه ؟هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من
مسترزق فأرزقه ؟ حتى ينفجر الفجر . فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
بقيام ليلتها ، وصيام نهارها .
وقال حكيم بن كيسان : يطلع الله إلى خلقه في ليلة
النصف من شعبان ، فمن طهّره في تلك الليلة زكّاه إلى مثلها من قابل .
روي عن
عكرمة في قوله تعالى " فيها يفرق كل أمر حكيم " قال : في النصف من شعبان يدبر
الله أمر السنة ويُنسخ الأحياء من الأموات ، ويكتب حاج بيت الله الحرام ، فلا
يزيد فيهم أحدا ، ولا ينقص منهم أحدا .
واعلم أن الرواية بهذا عن عكرمة مُضطربة ،
فتارة يروى هكذا وتارة يروى أنها ليلة القدر كباقي المفسرين . وقد سبقت
الأحاديث أن الآجال تكتب في شعبان ، فجائز أن يختص شعبان بما يتعلق بالآجال ،
ويكون القدر العام في ليلة القدر.
وقد رويت لهذه الليلة خمس صلوات ، ليس في
أسانيدها شيء صحيح ولا فيها ما يثبت ، فلذلك سكتنا عن ذكرها ، فإن الحديث إذا
لم يصح كان وجوده كالعدم .
|