الحمدلله
الذي هدانا إلى صراطه المستقيم ، وأنار بصيرتنا بالدين القويم ، ونشهد أن
لا إله إلا الله ، شهادة تنجينا من حر الجحيم ، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله
، المبعوث رحمة للعالمين ، جاء على فترة من الرسل ، والناس كانوا شيعا
وأحزابا متفرقين ، فجمعهم على الهدى ودين الحق ، امتثالا لقوله تعالى " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا "، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على عبدك ورسولك سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد وعلى آله وأصاحبه والتابعين .
أما بعد ،،،
فإننا إذا قلبنا صفحات التاريخ ورجعنا إلى الوراء مئات السنين ، رأيناه يحدثنا عن أمة كانت تسكن هذه الجزيرة تسمى بالعرب .
أما عن حالهم فلا تسل ، فالجهل والبؤس ، والقتل والنهب ، هو أساس التعامل بين أفرادها ، أمة متفرقة ، ليس لها أي هدف سوى الحصول على لقمة تضمن لها الحياة ، من أي جهة كانت !!
ثم في ظرف سنين قليلة تتغير حال هذه الأمة لتصبح أعظم أمة عرفها التاريخ تحمل مشاعل النور والهداية ، والحضارة والرحمة إلى مشارق الأرض ومغاربها ، ثم تتقهقر مرة أخرى إلى الوراء !!
فلنسأل أنفسنا أيها الأخوة الكرام ، ما هو سر تقدم هذه الأمة ، وما هو سبب تخلفها مرة أخرى ...؟!
إذا أردتم الجواب الشافي فأنصتوا إلى كتاب الله تعالى وهو يخاطبكم { وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ
جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ
إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ
مِّنْهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
} { وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } .
إذن أسس تقدمنا وحضارتنا هي ما يلي :
1- التمسك بكتاب الله عز وجل ، والسير على نهجه .
عن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : " ستكون فتن ، قلت : وما المخرج منها ؟ قال : كتاب الله ، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، فهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا " إنا سمعنا قرآنا عجبا " هو الذي من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أجر ، ومن دعا إليه هدي الصراط المستقيم " رواه الترمذي والدارمي .
2- الاتحاد والترابط ، ونبذ الفرقة والخلاف .
قال الله تعالى { وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ
ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ }
أيها الأخوة الكرام : إن أول ضعف فتّ في عضد الأمة هو تفريق كلمتها وتقاتلها وتناحرها فيما بينها ، وهذا الذي كان يخافه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم علينا ، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " سَأَلْتُ
رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً.
سَأَلْتُ رَبِّي أَلَّا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا،
وَسَأَلْتُهُ أَلَّا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ، فَأَعْطَانِيهَا،
وَسَأَلْتُهُ أَلَّا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَمَنَعَنِيهَا " رواه مسلم .
3- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتناصح فيما بيننا .
قال الله تعالى " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ".
وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليسلطن عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم " .
فكم نرى أمامنا من المنكرات ، دون أن تهتز شعرة في أبداننا ، بينما لو غلبنا على مصلحة رخيصة ، لأقمنا الدنيا ولم نقعدها .
أيها الأحباب
هذه هي الأسس الحقيقية لتقدمنا ورقينا ، إن تمسكنا بها أفلحنا وارتقينا ، كما فعل أجدادنا ، وإلا رفع الله عنا رحمته ، وتركنا لأنفسنا ، ونسأل الله تعالى العافية ، كما نسأله أن يجمع كلمتنا على الهدى والفلاح ، والله على كل شيء قدير .