حب الوطـن

الحمدلله ثم الحمدلله على نعمة العظيمة التي تترى على عباده .... ونشهد أن لا إله إلا الله ، شهادة ترزقنا الحسنى وزيادة ...ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ، قائدنا إلى دار السعادة ....اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وأصحابه وتابعيهم على المنهج السوي والطريق المستقيم .

أما بعد .....
فإنه كثيرا ما يتردد بين الناس الكلام عن الوطن والوطنية ، وموقف الدين منهما !!
أيها الأخوة المسلمون .

إن حب الوطن والدفاع عنه فطرة إنسانية وواجب ديني ، فها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو يودع مكة اما أمر بالهجرة من مكة إلى المدينة يلتفت إلى بلده وهو في طريق هجرته إلى المدينة ، ثم يخاطب مكة قائلا : والله إنك لأحب بلاد الله إليه ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت .
وكان صلى الله عليه وسلم كلما ذكره أحد بمكة قال : دع القلوب تقر .
وكذا كان أصحابه ، فها هو ذا بلال رضي الله عنه لما ورد المدينة حمّ ، وكان ينشد أثناء مرضه فيقول:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة   بواد وحولي اذخر وجلـــــيل 
 وهل أردن يوما مياه مجنّـة
 وهل يبدون لي شـامة وطفيل

وأما الدفاع عن الوطن فواجب ديني مقدس يستحق المقتول دون وطنه شرف الشهادة ، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون اهله فهو شهيد " رواه ابوداود والترمذي وقال حديث حسن صحيح .

وإذا سألنا أنفسنا ماهو الوطن؟!
الوطن في عرف الإسلام يعني كل أرض إسلامية يذكر فيها اسم الله تعالى ويحكم فيها بشرعه ، وكل أرض مسلمة يقيم فيها المسلم فهي وطنه ، يجب عليه أن يصونها وأن يحافظ عليها ، وأن يبذل في سبيل الدفاع عنها نفسه وماله وكل نفيس .
والوطنية في عرف الإسلام لا تعني الإقليمية الضيقة ، ولا العصبية المقيتة ( فالمسلم أخو المسلم ) أينما كان وحيثما حل ( وليس العربي فضل على عجمي إلا بالتقوى ) .
الوطنية في عرف الإسلام تعني خدمة الدين ، وخدمة البلد الذي تقيم فيه والوفاء والصدق في ذلك .
فيجب عليك أيها المسلم أن تتقي في العمل الذي تؤديه لخدمة وطنك ( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ) .

الوطنية في نظر الإسلام أن يسابق المسلمون غيرهم ، بل يسبقونهم إلى الأخذ بأسباب الحضارة والتقدم ، حتى لا تحتاج بلاد المسلمين إلى قتات الآخرين وخدمة الوطن تكون بالإخلاص له ، وحفظه وحمايته من كل كا يضره سواء أكان ذلك مما يتنافى مع دين هذا الوطن ، ويتعارض مع أخلاق أهله .
وافحتفال بالوطن يكون بتقديم الخدمات الجليلة له ولأهله ، وإقامة المشروعات الخيرية النافعة ، التي تعكس صورة مشرقة للوطن أمام الناس ، لا بالتهريج واللهو المحرم ، الذي قد يكون سببا لغضب الله تعالى .

أيها الأخوة المسلمون .
إن هذا الوطن أمانة في أعناقنا جميعا ، فهل نوفي هذه الأمانة حقها ؟
قال الله تعالى "
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون ".

أيها الأخوة الكرام .
إن من حق الوطن علينا ، أن نكون متحابين مترابطين متعاونين ، لا نترك للعدو فرصة يزرع فيها بيننا بذور العداوة والتناحر ، قال تعالى "
وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ " وقال تعالى " وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .
إن أي ضرر يلحق بهذا الوطن سيمس الجميع ، لافرق بين زيد وعمرو وما يحدث في البلاد الأخرى خير شاهد على ما اقول ، لذا يجب علينا جميعا أن ننتبه لكل المحاولات التخريبية وأن نقف ضدها متكافلين مترابطين لنفوت الفرصة على الأعداء الذين يتصيدون في الماء العكر .

أيها الأخوة الأحباب .
إن من حق الوطن علينا التناصح بيننا ، والأخذ على أيدي السفهاء منا حتى لا يوردونا الهلاك ويغرق سفينة الوطن ، قال صلى الله عليه وسلم (
مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً)